وداعاً الشاعر العراقي : عادل الغرابي ٠
بقلم / السعيد عبد العاطي مبارك الفايد مصر ٠
” فـيـا أيـهـا الـمـنـفـيُ بـيـنَ أضـالـعــي
تـرفَّـقْ بـأوجـاعـي فـإنـكَ شـاعــرُ
ذرفـتُ دمـاءَ الـبُـعـدِ مُـذْ بُـنـتَ لـوعـةً
وحـزنـًا فـقـد جـفَّـتْ عـلـيـكَ الـنـواظـرُ
نـهـاريْ مـتـاهـاتٌ تَـمـيـدُ بـخـطـوتــي
ولـيـلـيَ مـحـرابٌ بـذكـركَ عـامــرُ ” ٠
………
هكذا يمضي رحيل الشعراء وسط ظروف غامضة و عزلة و منفى و اغتراب ذاتي و مرض عضال و حرمان ٠٠
فقد ودع العراق أمس الأثنين الموافق ١٩ / ٧ / ٢٠٢١ م شاعرها المغني الصوفي المعذب بين ركام الكلمات و هجمة الصراعات التي أقلقت شدو الشاعر بين ربوع الوطن ، الشاعر عادل الغرابي ، ليمسي في ذمة الخلود و في سجل الخالدين ..
و قد نعاه الإتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق ٠
رحم الله الشاعر عادل الغرابي، الذي فارق الحياة يوم الاثنين ١٩ تموز ٢٠٢١، في بغداد، بسبب الداء اللعين..
* نشأته :
======
ولد شاعرنا العراقي عادل الغرابي في بغداد عام ١٩٦٨م ٠
و حاصل على بكالوريوس آداب لغة عربية ٠
يكتب القصيدة العمودية بسلاسة في معين الشعر الصوفي بكل اتجاهاته الإيمانية و الوطنية و الغزلية و الاجتماعية موظفات أدواته في التحليق بشكل و مضمون القصيدة ٠
و هو رئيس مجموعة شعراء المتنبي ٠٠
و له مجموعتين شعريتين :
= ديوان (شوق) صدر ٢٠١٧م ٠
= ديوان (رحيل نبي )صدر ٢٠٢٠ م٠
أليس هو الذي صور حزنه على مأساة الوطن بكل تباريحه ؟! :
لا حُـزنَ يـشـبـهُ حُـزنـي أيُّـهـا الـبَـلَـدُ
مـاذا تُـريـدُ ومـاذا بَـعـدُ تَـفـتَـقِــدُ
جـاوزتُ خـمـسـيـنَ عـامـًا فـيـكَ يـا وطـنـي
ولـمُ أزلْ فـي مَـهَـبِّ الـرِّيــحِ أرتَـعِــدُ
مُـذْ كُـنـتُ طِـفـلاً مِـزاجـيَّــًا وكـانَ أبـي
حَـيَّــًا يُـقـاسِـيـكَ بـيـتــًا مـا لـهُ عَـمَــدُ
كـمْ كـانَ يـحـكـي لـنـا أوجـاعَ جَـدَّتِـنـا
مِـمَّـا يُـلاقـيـهِ جَـدِّي مـنـكَ يا نَـكَــدُ
طـبـعـًا كـذلـكَ جَـدِّي كـم حَـكـى لِأبـي
مَـأْسـاةَ والِـدِهِ فـالـكُـلُّ مُـضـطَـهَــدُ
كـانـوا وديـعـيـنَ لـكِـنْ مـا نَـجـا أحــدٌ
مـنـهُـمْ هُـنـاكَ ولـنْ يـنـجـو هُـنـا أحــدُ
ولـسـتُ أعـجـبُ مِـنْ أحـوالِـهِـمْ أبـدًا
فـيـمـا يُـعـانـون قـسـرًا أيـنـمـا وُجِـدوا
فَـجَـدَّتـي لِأبـي كـم نَـبَّـأتْ سَـلَـفَــًا
بِـمـا يَـكـونُ لـنـا فـالإرثُ مُـعـتَـمَـدُ
وهـا أنـا يـا عَـسـيـرَ الـعَـيـشِ تَـلْـفَـعُـنـي
نـارُ اضـطِـرابِـكَ لَـمّـا خـانَـنـي الـمَـدَدُ
يـا مَـوطـنَ الـقَـتـلِ والـتَّـشـريـدِ تَـسـكُـنُـنـي
حُـمّـى الـصِّـراعـاتِ حـتّـى كِـدتُّ أتَّـقِــدُ
مـا نِـلْـتُ مِـنـكَ سـوى مـوتٍ ومـخْـمَـصَـةٍ
وذُلَّـةٍ بـادِّعـاء الـمَـجْـدِ تَـنْـفَـرِدُ
فـالـزَّيـفُ يَـلْـبَـسُ ثـوبَ الـعِـزِّ مُـتَّـخِـذًا
مِـنَ الـشِّـعـاراتِ جِـسـرًا حـيـن نُـلْـتَـحَـدُ
مـتـى الـخـلاصُ إذَنْ يـا كُـلَّ مِـحـنَـتِـنـا
مِـنَ الـضَّـيـاعِ الـذي تُـفـرى بِـهِ الـكَـبِـدُ ٠
و من ثم فقد امتازت أشعاره بتقسيمها إلى
قصائد صوفية
رسالتها إلي قصائد متنوعة الأغراض بكل معاييرها وخصائصها الفنية نفقة شعورية ذات ملامح غنائية فلسفية تشرق من ربوع الوطن بكل معطياته ٠
كما يعد شاعرنا عادل الغرابي من الشعراء المبدعين الملتزمين بالقصيدة الخليلية العمودية ذات الشطرين، وله مشاركات واسعة في مهرجانات الوطن، وقد كتب النمط العربي الأصيل من الشعر ببلاغة ورصانة ٠
فعطاؤه نهر لا يتوقف و شعلة حركة نورانية بمثابة جذوة متجذّرة في ديوانه من فيض روحه التي تعانق الجمال في ربقة صوفية ، وطاقة شعرية متّقدة..
* مختارات من شعره :
*******************
نتوقف مع قصيدته البديعة التي ينطلق بين أفانينها الوارفة الظلال في وشوشة وحوارية تنساب في دفقة جمالية بعنوان ( هـذا آخِـرُ ما قـالـتْـهُ لـي عـرّافَـتـي ) حيث يقول في مطلعها شاعرنا الراحل علي الغرابي :
هُـنـاكَ سَـيَـخْـتَـفـي عَـنـكَ الـشَّـقـاءُ
و يـرحـلُ عـنْ رِوايَـتِـكَ الـعـنـاءُ
هُـنـاكَ سَـتَـرحَـلُ الآلامُ حـتّـى
تَـظُـنَّ بـأنَّ قُـصَّـتَـهـا هُـراءُ
فَـعَـجِّـلْ فـي ذهـابِـكَ عـنْ حـيـاةٍ
لِأُخـرى لا تُـضـامُ ولا تُـسـاءُ
فـمـا عـادتْ لـكَ الـدُّنـيـا سـلامـًا
و كُـلُّ طِـبـاعِـهـا ألــمٌ و داءُ
و كـيـفَ يـطـيـبُ عـيـشُـكَ والـحـنـايـا
تَـئـنُّ كـأنَّ لـوعَـتَـهـا حِـداءُ
رمـتْـكَ الـعـاديـاتُ فـصـرتَ ذنـبـًا
كـبـيـرًا لـيـس يـنـفـعُـهُ الـدُّعـاءُ
وكـم ضَـرَعَـتْ قُـلـوبُ الـنَّـاسِ سـعـيـًا
لـقٌلـبِـكَ كـي يُـبَـلْـسِـمَـهُ الـرَّجـاءُ
ولـكـنَّ الـقـضـاءَ جـرى سـريـعـًا
ولـيـسَ لِـدَفْـعِ وقْـعَـتِـهِ وِقَـاءُ
فـمـا ضَـرُّ الـسَّـقـيـمِ إذا تَـنَـحّـى
عـنِ الـدُّنـيـا إذا عَـزَّ الـشِّـفـاءُ
ومـا نَـفْـعُ الـعَـزيـزِ إذا أُهـيـنـتْ
لـهُ بـعـدَ الـكـرامَـةِ كـبـريـاءُ
فـحـاوِلْ أنْ تُـغـادِرَ عـنْ قـريـبٍ
لِـتَـمْـلَأَكَ الـسَّـعـادةُ والـرَّخـاءُ
بـلاؤكَ يـا كـسـيـرَ الـقـلـبِ فـرضٌ
عـلـيـكَ ولـنْ يـفـارِقَـكَ الـبـلاءُ ٠
***
مع رائعة عادل الغرابي بعنوان ( قصيدة أحـتـاجُ مِـنْ عـيـنـيـك بُـشـرى ) حيث يستشف الحب من عيون محبوبته الوطن و ينتظر البشرى مع شمس الصباح البكر تارة أخرى، و التي يقول في مطلعها :
مـا بـيـنَ آوِنَـةٍ وأُخـرى
أحـتـاجُ مِـنْ عـيـنـيـكَ بُـشـرى
بُـشـرى بـهـا الـجُـرحُ الـمُـقـيـمُ
بِـخـافِـقـي الـمُـعـتـلِّ يـبــرا
فـامـنـحْ مُـريـدَكَ فُـسـحَـةً
لـمْ تـأتِـهِ مـولايَ دهــرا
يـا زاكـيـًا والـمَـكْـرُمـاتُ
عـلـى يـديـكَ جَـرَيـنَ نَـهْــرا
لا حَـلَّ عـنـدي غَـيـر أنْ
أتـلـوكَ بـيـنَ الـوردِ عِـطــرا
وأقـولَ كـمْ ألْـهَـمْـتَـنـي
فـيـمـا كَـتَـبـتُ إلَـيـكَ شِـعــرا
مـولايَ قَـلَّـتْ حـيـلَـتـي
و عُـدِمْـتُ مِـنْ بـلـوايَ صَـبْــرا
ولِـذا قَـصَـدتُـكَ طـالِـبـًا
عِـتْـقـًا و عـافِـيَـةً و عُـذرا
يـا كـفَّ جُـودٍ شَـأنُـهـا
تُـعـطـيْ ولا تـحـتـاجُ شُـكــرا
قَـدْ جِـئـتُ مـوجـوعـًا إلَـيـكَ
وأنـتَ بـالـمَـوجـوعِ أدرى
يـا ابـنَ الـكـرامِ الـبـاذلـيـنَ
عَـطـاءَهُـمْ سِـرًّا و جـهــرا
لا تَـنـسَ مَـنْ لا يَـرتَـجـي
إلّاكَ عِـنـدَ الـحَـشـرِ ذُخــرا
فـافْـتَـحْ خَـزائِـنَـكَ الّـتـي
مُـلِـئَـتْ مِـنَ الـمَـنَّـانِ أجْــرا
وانـفـقْ كـمـا أنْـفَـقْـتَ
أولادًا وأصـحـابـًا ونَـحــرا
وامـلأْ سِـلالَ الـعـاشِـقـيـنَ
الـقـاصِـديـنَ إلَـيـكَ عُـمْــرا
يـا سِـبْـطَ مَـنْ صَـلَّـى عـلـيـهِ
الـلّـهُ والأمـلاكُ طُــرّا
هـلّا مَـنَـحْـتَ غَـشـاوَتـيْ
مِـنْ نـورِكَ الـعَـلَـويِّ فَـجْــرا
وجَـعَـلْـتَ مِـنـي آيـةً
كُـبـرى ومُـعـجِـزةً وذِكْــرى
فـمَـقـامُـكَ الأعـلـى يَـفـيـضُ
عـلـى الـورى مَـدَدًا و يُـسْــرا
وسـنـاؤكَ الأبْـهـى يـضـوعُ
بِـعِـطـرِهِ الأخَّـاذِ طُـهــرا
وأنـا عـلـى حُـبِّ الـنَّـبـيِّ
وآلِـهِ صَـلَّـيـتُ عَـشـرا
و نَـظـمـتُ بـوحَ قـريـحَــةٍ
فـي حُـبِّـكَ الأبـدي سَـكْـرى ٠
***
و نختم له بهذه القصيدة التي يتبرم و يتوجع فيها بالآهات بما حل بوطنه وطن المنافي الذي هجره الكثير بسبب الصراعات و لم يعد وطن الحب و الجمال و السلام ، في صوره لنا في عفوية ومصدقية شاعر المفدى علي الغرابي في فائيته الشادية الشاجية :
رعـاكَ الـلّـهُ يـا وطـنَ الـمـنـافيْ
أَأَلـزمـتَ الـرَّعـيَّـةَ بـالـكَـفـافِ
وهـل قـرَّرتَ أنْ نـبـقـى جـيـاعـًا
ونـرزحَ تـحـتَ طـائـلـةِ الـجـفـافِ
وهـلْ ثَـرَواتُـكَ الـغَـنَّـاءُ تـبـقـى
إلـى الـسُّـرّاقِ دانـيـةَ الـقِـطـافِ
ونـحـنُ عـلـى ثـراكَ الـتِّـبـرِ نُـمـسـي
ونُـصـبـحُ مِـنْ خِـلافٍ لاخـتِـلافِ
تُـفَـرِّقُـنـا الـمـواقِـفُ والـنَّـوايـا
فـتـنـحـرنـا الـنَّـتـائـجُ كـالـخـرافِ
يـعُـزُّ عـلـيَّ يـا وطـنـي بـأنّـي
أرى نـوحَ الـفـراتِ عـلـى الـضِّـفـافِ
ويـغـمـرُنـي الأسـى مـا ذلَّ قـومٌ
بـقـسـوتِـهِـمْ مـلايـيـنَ الـضِّـعـافِ
لـعـمـرُ الـلّـهِ عـيـشُـكَ مُـسـتـحـيـلٌ
وعـذرًا إنْ صـدمـتُـكَ بـاعـتِـرافـي
فـلـسـتُ مُـنـافِـقـًا بـلْ لـسـتُ لِـصّـًا
لِأنْـعَـتَ بُـؤسَ عَـيـشِـكَ بـالـخُـرافـي
ومـا بـتـرولُـكَ الـمـشـؤومُ إلّا
خُـلاصَـةُ لـعـنـةِ الـحُـقَـبِ الـعِـجـافِ
حـرامٌ أنْ أُنـافِـقَ فـيـكَ شِـعـرًا
وأنْ أُزجـيـكَ ألـوانَ الـقـوافـي ٠
٠٠٠٠٠
فشعره كله حلقات متصلة في وحدة فنية ذات دلالات صوفية و نزعة وطنية تنطق بجمال النص شكلا و مضمونا بسلام على الشاعر العراقي الراحل / علي الغرابي في سجل الخالدين ٠