حرب بلا رصاص.. كيف تدير القاهرة حصار الوهم الأثيوبى

كتب/ايمن بحر
هل تساءلت لماذا تكتفى مصر بالهدوء بينما يضج الآخرون بالبيانات؟
الإجابة تكمن في “السيطرة الخفية”
فبينما ينشغل النظام الإثيوبي ببيع “الأوهام” وتوقيع تحالفات “الضجيج” مع أطراف بعيدة عن الواقع والمنطق، كانت الحقيقة المرة تُصاغ عند مضيق جيبوتي وإقليم عفار.”
مصر لا تحتاج للصراخ، ولا ترفع صوتها بالتهديد؛ لأن “النفس الطويل” والقراءة الدقيقة للجغرافيا كفيلة بخنق كل محاولات التعنت. ومن ظن أنه يستطيع حبس المياه عن “هبة النيل”، يجد نفسه اليوم محاصراً داخل حدوده، عاجزاً عن تأمين شريان حياته الاقتصادي.
كيف تُدير القاهرة حصار الوهم الإثيوبي؟
حينما بدأت القاهرة أدارة مشهد الخنق الصامت .. بدت تعلو في شوارع أديس أبابا تساؤلات شعبية حارقة حول غياب الكهرباء والدواء رغم صخب الوعود، وهي تساؤلات لا يجد النظام الإثيوبي أمامها سوى “الهروب للأمام” عبر اختراع أعداء وهميين ورفع وتيرة الضجيج السياسي. لكن خلف هذا الضجيج، تبرز حقيقة استراتيجية كبرى لا يتم تداولها في البيانات الرسمية؛ وهي أن إثيوبيا تعيش اليوم تحت وطأة “حصار مصري صامت”، حصارٌ لا يستخدم الرصاص، بل يستخدم الجغرافيا والسياسة والتحالفات النوعية لخنق التعنت الإثيوبي الذي تجرأ على تهديد حقوق مصر المائية التاريخية.
لقد توهمت أديس أبابا أن بناء سد ضخم سيجعلها تتحكم في مصير العطش والارتواء في وادي النيل، لكنها لم تدرك أن القاهرة قررت خوض حرب من نوع مختلف؛ حربٌ نفسية ودبلوماسية وميدانية تهدف إلى عزل النظام الإثيوبي تماماً. فبينما كان النظام الإثيوبي يهرول لعقد اتفاق دفاعي مع المغرب —في محاولة بائسة لكسر طوق العزلة— كانت القاهرة تبتسم ببرود الواثق؛ فمصر تدرك أن “تحالفات الصور والبيانات” لن تغير من حقيقة أن إثيوبيا دولة حبيسة، وأن مفاتيح وصولها للبحر الأحمر والقرن الإفريقي باتت تُصاغ في الغرف المغلقة بالقاهرة.
إن السقوط الأخلاقي لبعض القوى التي تخلت عن شعارات العروبة لم يعد يزعج مصر، لأن الإدارة المصرية انتقلت من مرحلة “مناشدة الضمائر” إلى مرحلة “فرض الواقع”. فمصر التي تنشغل ببناء داخلها وتعظيم قوتها، قررت أن يكون ردها على سرقة المياه هو الحصار الشامل براً وبحراً وجواً.
هذا الحصار هو الذي جعل حلم إثيوبيا في الحصول على ميناء سيادي على البحر الأحمر يتبخر، وهو الذي جعل تحركاتها الإقليمية تصطدم دائماً بحائط الصد المصري الذي يعيد ترتيب منطقة القرن الإفريقي برمتها.
ولم يتأخر الرد الميداني لهذا الحصار طويلاً، حيث جاءت ضربة جبهة “عفار” (FRUD) بإغلاق الطريق الحيوي مع جيبوتي لتعيد النظام الإثيوبي إلى حجمه الطبيعي. هذا الشريان الذي يمثل 90% من تجارة إثيوبيا لم يُقطع بمحض الصدفة، بل هو نتاج ضغط استراتيجي جعل النظام الإثيوبي يختنق اقتصادياً وعسكرياً في آن واحد.
لقد أصبحت الرسالة المصرية واضحة بلا كلمات: “من يحاول حبس المياه عن مصر، سيجد نفسه محبوساً داخل حدوده، عاجزاً عن تأمين رغيف الخبز أو لتر الوقود لشعبه”.
إنها الحرب التي لا تريد مصر خوضها بالمدافع الآن، بل هي حرب “تفكيك الأوهام” وإعادة الهيبة للدولة المصرية التي لا تهدد، ولكنها تنفذ بصمت.
فبينما يصرخ قادة إثيوبيا، تكتفي القاهرة بتضييق الخناق، لتثبت للعالم أن الجغرافيا لا ترحم، وأن الحقوق المائية التي استمرت لآلاف السنين محمية بذكاء سياسي قادر على هزيمة أعتى السدود دون إطلاق رصاصة واحدة..
وهكذا يظل السودان ومصر والسعودية في خندق واحد، بينما يغرق المعتدي في رمال الجغرافيا المتحركة.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج