انسحاب الإمارات من جنوب اليمن رؤية فى خلفيات الصراع الإقليمى

كتب/أيمن بحر
بعد إعلان الإمارات انسحابها من جنوب اليمن عقب الضربة السعودية التي استهدفت سفن المعدات العسكرية فى ميناء المكلا بدا واضحا لدى المراقبين أن ما يجري خلف الكواليس يتجاوز كثيرا ما أعلن رسميا فالانسحاب جاء سريعا ومفاجئا وغير متسق مع حجم النفوذ والاستثمارات الإماراتية المتراكمة فى الجنوب وهو ما أثار تساؤلات جدية حول طبيعته وأهدافه الحقيقية
إعلان رئيس المجلس الانتقالى الجنوبى اليوم متضمنا إعلانا دستوريا وخريطة طريق نحو الاستقلال كشف جانبا كبيرا من الغموض ليصبح واضحا أن الانسحاب الإماراتى لم يكن تراجعا بل خطوة تكتيكية محسوبة لتهيئة الأرضية لإعلان انفصال الجنوب اليمني مع تعمد غياب الوجود العسكري الإماراتي المعلن تفاديا لتحميلها المسؤولية المباشرة عن مشروع الانفصال
هذا التطور يندرج ضمن مخطط أوسع يمتد على طول جنوب البحر الأحمر وخليج عدن يقوم على فصل صوماليلاند فى الضفة الجنوبية للخليج وجنوب اليمن فى ضفته الشمالية كما يضم الإقليمان ميناءين من أهم وأخطر موانئ المنطقة ميناء عدن فى جنوب اليمن وميناء بربرة فى صوماليلاند وكلاهما يخضع فعليا لإدارة ونفوذ إماراتى مباشر
ويتكامل هذا المخطط مع الطموحات الإثيوبية للسيطرة على ميناء عصب الإريتري بما يؤدى إلى إحكام السيطرة على المضايق البحرية وخطوط الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب لصالح الإمارات ومن يقف خلفها تخطيطا ودعما وإسنادا في مقدمتهم بريطانيا وإسرائيل والولايات المتحدة
المشروع لا يقتصر على استهداف مصر وحدها وإن كانت المتضرر الأكبر من خلال محاولة السيطرة غير المباشرة على قناة السويس عبر باب المندب بل يمتد ليشمل السعودية وتركيا كما تظهر مصالح دولية كبرى على رأسها الصين التي يتعرض مشروع الحزام والطريق لضغوط مباشرة وروسيا الساعية إلى تأمين خطوط ملاحة مستقرة في المياه الدافئة
المشهد القادم يبدو بالغ التعقيد في ظل تشكل محور مناوئ لهذا المخطط تتصدره مصر عبر حضورها المتنامي في الصومال وجيبوتي وإريتريا ودعمها للجيش السوداني في مواجهته مع مليشيات الدعم السريع في دارفور وإلى جانب مصر تقف السعودية التي بدأت تدرك أن أمنها القومي بات مهددا بصورة مباشرة وأن التقارب مع الرؤية المصرية للأمن القومي العربي وخاصة أمن البحر الأحمر وباب المندب لم يعد خيارا بل ضرورة
ولا يمكن في هذا السياق إغفال تركيا التي أصبحت مصالحها الاستراتيجية مهددة في سوريا وشرق المتوسط والقوقاز ولم يعد أمامها سوى الاقتراب من محور مصر والسعودية على امتداد القوس الممتد من جنوب اليمن إلى صوماليلاند مرورا بسد النهضة ودارفور حيث تصطف قوى المحورين في انتظار لحظة الحسم التي قد تكون انفجارا شاملا يقود إلى مواجهة إقليمية كبرى أو تدخلا دبلوماسيا دوليا يسعى إلى تجميد الصراع مؤقتا
غير أن المؤكد أن المنطقة تتجه نحو مواجهة كبيرة تلوح في الأفق خاصة مع وجود تحركات وتطورات خطيرة تجري بعيدا عن الأضواء من شأنها أن تعجل بلحظة الصدام وتعيد رسم خريطة النفوذ في الإقليم بالكامل
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج