العالم على طاولة الدولار قراءة فى سلام ترامب المزعوم

كتب/ ايمن بحر
ما يجرى على الساحة الدولية اليوم لا يمكن وصفه بخبر عابر أو تصريح سياسى عادى بل هو مشهد كامل من إعادة تشكيل النظام العالمى وفق منطق القوة والمال فى آن واحد حيث يتقدم دونالد ترامب بمشروع يحمل اسم السلام بينما تخفي كواليسه كل أدوات الضغط والابتزاز وإعادة توزيع النفوذ
ترامب أعلن عن توجيه دعوات لعشرات قادة الدول للمشاركة فيما أسماه مجلس السلام لإعادة إعمار غزة غير أن جوهر الفكرة لا يقوم على التوافق أو العدالة بل على قاعدة مالية صريحة مفادها أن الجلوس إلى طاولة القرار مشروط بالدفع ومن يرفض يدفع الثمن سياسيا واقتصاديا ويخرج من دائرة التأثير الدولي
هذا الطرح يكشف عن مفهوم جديد للسلام لا يقوم على القيم الإنسانية أو الشرعية الدولية بل على منطق الصفقة حيث تتحول القضايا العادلة إلى استثمارات وتتحول المآسي الإنسانية إلى فرص ربح ويصبح المال هو اللغة الوحيدة المعترف بها
المشهد لم يتوقف عند هذا الحد بل امتد إلى تهديدات مباشرة لحلفاء تقليديين حين رفضت فرنسا الانضمام فكان الرد هجوما سياسيا وتهديدا اقتصاديا بما يعكس نمطا واضحا في إدارة العلاقات الدولية قائم على العقاب لا الحوار وعلى الإقصاء لا الشراكة
التصريحات المتتالية التي طالت قادة أوروبا والتلميحات بضم أراض والتلويح بتغيير خرائط النفوذ وفتح الباب أمام قوى كبرى للانضمام إلى هذا المجلس المزعوم تؤكد أن الأمر لا يتعلق بسلام بقدر ما هو محاولة لفرض إدارة عالم جديد بإرادة فردية تتحكم فيها المصالح المالية وتدار بعقلية التاجر لا رجل الدولة
أما غزة فتبدو في قلب هذا المشهد الضاغط حيث يطرح تصور لإعادة تشكيلها خارج سياقها التاريخي والسياسي وتحويلها من قضية تحرر وحق إلى مشروع اقتصادي منزوع الهوية في محاولة لطمس التاريخ وتفريغ المعنى واستبدال المقاومة بالاستثمار
ما يحدث ليس ارتجالا ولا عبثا بل هو تحضير لمرحلة جديدة بعد الفوضى تتغير فيها القواعد ويعاد فيها تعريف السيادة وتكتب فيها الأعراف الدولية دون نصوص واضحة لكن بميزان قاس هو ميزان القوة الاقتصادية
في المقابل تتصاعد الأسئلة داخل المجتمعات من يقرر ولمصلحة من وعلى حساب من ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والإهانات السياسية وتآكل هيبة الدول يصبح الغضب الشعبي مرشحا للانفجار فالتاريخ يخبرنا أن الثورات لا تبدأ بالهتاف بل بالصمت ثم الغضب ثم الشرارة
العالم اليوم يقف عند نهاية مرحلة وبداية أخرى مرحلة كانت تدار في الغرف المغلقة توشك على الأفول وزمن جديد يتشكل تقوده أجيال أكثر وعيا وإدراكا لما يجري حولها
الخلاصة أن ما يسمى بسلام ترامب ليس سلاما شاملا ولا عادلا بل هو سلام مشروط بالمال تحكمه العملة وتفرضه العقوبات ويعاد رسم العالم فيه بقلم الدولار ومن يرفض هذا المنطق يجد نفسه خارج الخريطة
هذا تحليل واجتهاد وقراءة للمشهد لا يفرض رأيا ولا يتبع جهة لكن ما يظهر بوضوح أن السلام فى هذا التصور ليس حقا للجميع بل امتياز لمن يملك الثمن فقط
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج