أمريكا الدولة التى قامت على مقبرتين
بقلم
/أيمن بحر
فى كتب التاريخ الرسمية تُقدَّم الولايات المتحدة بوصفها أرض الفرص وموطن الحرية ومهد الحلم الأمريكى لكن ما يغيب عن السرد المنمق أن هذا الحلم لم يُروَ بالعرق وحده بل تشكَّل أساسًا من دماء شعوب أُبيدت وأخرى استُعبدت قبل أن تُرفع راية النجوم وقبل أن تُكتب الدساتير
كانت أمريكا الشمالية موطنًا لملايين البشر من السكان الأصليين قبائل تمتلك لغاتها وأنظمتها وقوانينها وتعيش في توازن دقيق مع الطبيعة لا تعتبر الأرض ملكًا بل جزءًا من الهوية والانتماء لكن مع وصول الأوروبيين لم يكن الهدف البحث عن حرية أو خلاص إنما السعي وراء الذهب والأرض والسيطرة جاءوا من قاع أوروبا محمّلين بثقافة الإقصاء ومنطق الغلبة إلى أرض يعلمون أنها ليست لهم
منذ اللحظة الأولى بدأ مشروع الإبادة المنظم معاهدات كُتبت لتُكسَر قرى أُحرقت شعوب كاملة سُحقت من شيروكي إلى إيروكوا إلى أباتشي ومسيرات تهجير قسري مات فيها الآلاف جوعًا وبردًا فيما عُرف بدرب الدموع الذي لم يكن حادثًا عابرًا بل نموذجًا متكررًا لسياسة محو الإنسان من أجل التوسع
ولم تتوقف القصة عند أصحاب الأرض فعندما احتاج المشروع الاستيطاني إلى أيدٍ تبني دولته لم يُنظر إلى الإنسان ككائن حي بل كأداة عمل من سواحل أفريقيا اقتُلع ملايين الرجال والنساء والأطفال من أوطانهم شُحنوا في سفن تشبه التوابيت مكدّسين مقيدين يُلقى من يموت في البحر كأنه عبء زائد
وصلوا إلى ما سُمّي بالعالم الجديد بلا أسماء بلا تاريخ بلا حقوق مجرد أرقام وسلاسل الأرض التي سُرقت من أصحابها بُنيت بعرق ودم العبيد والدولة التي تتغنى بالحرية قامت على نظام يرى الإنسان سلعة تُباع وتُشترى
إبادة هناك واستعباد هنا فكانت النتيجة حضارة شُيّدت فوق أنقاض جنسين شعب أُبيد لأنه صاحب الأرض وشعب استُعبد لأنه كان وقود البناء
ثم جاء من كتب التاريخ فجمّل المشهد وسمّى القتل توسعًا والسلاسل ضرورة اقتصادية والضحايا ثمن التقدم لكن الدم لا يختفي هو فقط يختبئ تحت الرايات وتحت الشعارات البراقة
واليوم تعود الولايات المتحدة لتُقدّم نفسها واعظًا أخلاقيًا للعالم تتحدث عن حقوق الإنسان وكأنها من صاغها وكأن تاريخها لم يُكتب فوق المقابر
ويبقى السؤال الذى يطارد كل ضمير حي هل يمكن لحلم أن يكون عظيمًا وهو قائم على مقبرتين
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج