“المستنقع”

بقلم :
تيسيرالمغاصبه
——————————————-
-٢-
،،المعاهدة،،

بعد أن إنتهى كمال من تأمل ذلك الفتى قال محاولا كظم غيظه أمام تلك الابتسامة الساخرة:

-أريد أن أعرف كيف تسمح لنفسك بالدخول إلي إثناء قيامي في عملي وفي ذلك الوقت المتأخر من الليل..و.. ودون إحتشام؟

لكن الفتى لازال ينظر إليه بنفس نظراته الساخرة الإستفزازية ،بينما تابع كمال بقلق وتوتر خوفا من أن يمر به أحد ويرى الفتى عنده:

-لو سمحت أخرج من هنا وبسرعة فلا يليق وجودك هنا؟

قال الفتى بهدوء وسخرية أكثر محاولا إستفزازه وهو في قرارة نفسه يعلم ماذا يقول وماذا يفعل:

-كيف حالك عمي؟

وقف كمال وقال بغضب:

-“عمى الدبب” ..هلا خرجت.

ضحك الفتى بعناد ولا مبالاة ،هنا تذكر كمال قول الآذن المنافق أن أكثر الطلبة هنا “واصلين”فتراجع عن حزمه وقرر أن يكون سياسيا في حديثه:

-أخبرني ماذا تريد ؟

كان يبدو أن ذلك الفتى قليل الصبر أمام هذا النوع من الشباب ،فبدأ بالحديث دون مقدمات :

-أنت الحارس الجديد أليس كذلك؟

رد كمال بسخرية وهو يحاول إخفاء توتره:

-نعم ..بماذا تأمرني.

-يبدو أننا سنتفق؟

-نتفق على ماذا.

-أولا قبل أن تكن حارسا للمدرسة ،فتذكر أن تلك المدرسة هي مدرستنا ..وأنت مجرد خادم لنا ..تتقاضى مرتبا شهريا لأجلنا كغيرك،نحن أصحاب تلك المدرسة ..نملتكها ..رغما عن أنف الجميع ..فأنا أدخل متى شئت وأخرج متى شئت؟

ثم صمت قليلا معطيا كمال فرصة لاستيعاب قوله وهو ينظر في عيني كمال ،تأمل كمال عينيه الجميلتين فكاد أن ينسى ماسمع من ذلك الفتى ،فلم تتطابق تلك العيون الجميلة مع مافي داخله من خبث وجبروت وقذارة خصوصا عندما خفض من طبقات صوته فأصبح كالهمس:

-أنا في الحقيقة لاأعلم أنت من أين أتيت لتصبح من سكان مدينتنا ..من أي حارة..قرية..زقاق ..جحور ،غير مهم ..غير مهم ..لكن هنا حتى تستطيع المحافظة على وظيفتك وبقاءك حتى في تلك المدينة فيجب ان يرضى بك أصحاب المدرسة ..نحن ؟

ثم تلفت حوله وعندما رأى سجادة الصلاة لازالت مفروشة في مكانها بإتجاه القبلة أبتسم وتابع:

-فلا داعي للتظاهر الكاذب المبتذل..المزيف، والكبرياء الذي ليس في مكانه فأن ذلك لايليق بك أبدا..فأنت أقل الجميع هنا ؟

ثم إبتسم وقال “سري”

-أشكرك على ذوقك أيها الجميل..وماذا أيضا.

-بدأت تستطيع فهمي وهذا شيء جيد؟

-……………… .

-هنا عليك أن تقبل بكل شيء ..وأي شيء ..لاتأخذ دور الواعظ أو النبي أو الرجل الصالح هههههه فلم ينجح بتقمص ذلك الدور حتى مدير المدرسة نفسه؟

-إذا أن حديثك هذا يسمى ……….

فتابع مقاطعا:

-بأمكانك أن تسمه كما شئت،وسوف أقول ما أردت قوله أنت .. وما تفكر فيه بحسب حدود عقلك الساذج ..الآن وجودي هنا ..وفي ذلك الوقت تحديدا قد يرسلك إلى أي مكان غير مرغوب ..وبكلمة مني ..بكلمة واحدة أستطيع إرسالك في طرد إلى “بيت خالتك”؟

-فهمت.

-لكني …أحببتك..أتفهم ،وأنا أمد لك يدي طالبا صداقتك،
هذا إن كنت شابا عاقلا وتعلم أين هي مصلحتك وأنت في ذلك المستنقع الذي لم يعتاد أصحابه على الانضباط وطاعة الأوامر؟

-……………… .

-هنا لاأحد يصدق بأنك “شريف ” لأن لاأحد شريف هنا ..وطالما أنك أصبحت هنا فأترك الأمور تسير كما هي ..أما أنا فسأكون لك ناصحا؟

نهض الفتى ..نظر إلى كمال بحزم وقوة شخصية مؤثرة ،وثقة ثم مد يده ليصافح كمال ،مد كمال يده مصافحا ،قال الفتى :

-أنا عادل ..هههههههه نصبت نفسي مندوبا عن المدينة بأكملها ؟

وقبل أن يعرف كمال عن نفسه ويذكر اسمه تابع عادل :

-أنت كمال هههههه لقد عرفت أسمك قبل أن تعرفه أنت ..سوف تراني كثيرا، وفي أي وقت ،
خرج عادل وسرعان ماإختفى في الظلام ،بينما ردد كمال :

-ياإبن ال…………… ؟

* * * * * * * * * * * *

في نفس اليوم تلقى كمال إتصالا من المدير يطلب فيه منه مراجعة الإدارة ،
توجه في الصباح إلى الإدارة ..قابل في طريقه بعض الأذنة الذين بدأوا في التهامس عند رؤيته ،ألقى عليهم التحية وصافحهم ،ثم ناداه كبير الأذنه أبوعلي ،أخذه إلى البوفيه ..قدم له كاسة شاي وقال له:

-أنت عزيز علي ولهذا حدثت المدير كثيرا عنك وقد أوصيته بأن يهتم بك..طبعا أنت أخونا وحبيبنا؟

إبتسم كمال متظاهرا بأنه يصدقه وقال :

-نعم أعلم ذلك لأن الإنسان الصالح يعرف فورا من وجهه.

-بالطبع أنا إنسان ملتزم ..وأخاف الله، وقد مدحتك كثيرا أمام المدير ‘عمي كمال” ..طالما أنا موجود هنا سوف أقوم بمساندتك لا تخشى شيئا ؟

قرع جرس المدير ..حمل أبو علي كاسة الشاي وتوجه إلى الإدارة ..إبتسم وفتح الباب وقال بنفاق واضح:

-شرفتنا سيدنا الغالي وتاج راسنا ؟

لحظات وخرج ابو علي وهمس إلى كمال:

-أدخل ..المدير يريدك؟

-نعم أعلم..أشكرك عمي ابو علي .

دخل كمال.. بادره المدير:

-ماذا يا شيخ كمال “يقصد بكلمة شيخ -شيخ العرب”،أتريد مني أن اقدم استدعاء مطبوع لكي أراك من أول يوم ؟

-بماذا تأمرني سيدي.

-لا..العفو أنا لا آمرك أبدا، الأمر لله وحده ..لأني ربما “طرطور “هنا أليس كذلك ياأستاذ؟

-المعذرة سيدي ،ثم انا لست أستاذا ولا شيخ.

-أريد أن أراك كل يوم في الصباح قبل مغادرتك؟

-حاضر.

-ثم أني أرى الشباب من كل مكان وبمختلف الأعمار يلعبون الكرة في ملاعب المدرسة ،وطبعا هذا ممنوع..بينما نحن لماذا وظفناك هنا ..هل لتنام؟

-ما هو المطلوب مني سيدي ؟

-المطلوب منك منع دخول الشباب إلى المدرسة بعد نهاية الدوام الرسمي؟

-كما تريد سيدي.

-كذلك إثناء قيامك بالحراسة أرجو منك القيام بتنظيف الساحة من الأوراق والقمامة ؟

-لكن.

-أعلم ..أعلم أنك حارس وليس آذن وأن التنظيف ليس من مهامك ،ولكن بما أنك لاتقوم بعملك على أكمل وجه فأني آمرك بتنظيف الساحة ..كذلك روي الأشجار والنباتات
والاعتناء بها..علم؟

-حاضر.

-وهناك شيئا آخر ..أرجو عدم التحدث إلى الطلاب لكي لاتتهم بأنك تقوم بتحريضهم على المعلمين؟

-تمام .

-أنا لي هنا مائة عين ومائة أذن ،وسوف أمر بك ليلا دون تحديد موعد مروري ..بإمكانك الانصراف؟

إستدار كمال للخروج ..فتح الباب ليتفاجأ بأبو علي وراء الباب، كان يضع رأسه على الباب محاولا إستراق السمع وهو مبتسما إبتسامته الخبيثة.

(يتبع…)
١٦-٥-٢٠٢٢

شاهد أيضاً

يمكن نشوف القمر

يمكن نشوف القمر بقلم / صالح منصور جربت كل الامك والحسرة والندم جربت النصره والخذلان …