رسائل لم تصل
بقلم الدكتور:عبدالرحمن عرفه عبدالحميد
صوت صافرة مرتفع أصابه بالصمم، جسده ينتفض محاولاً التشبث بروحه، عظام وجهه المهشمة قد اختلطت بزجاج السيارة الأمامي، الدماء تندفع ملاقية العالم الخارجي، انقطع صوت الصافرة و انطفأت معه رؤيته المشوشة، الجميع يهرع ناحية جثمانه متمسكين بمحاولات بائسة لإنقاذ روحه التي غادرت منذ دقائق، أحدهم يتصل بالإسعاف بينما قائد السيارة يجلس خائراً على الأرض لا يصدق صنيعه، ظل يردد كلمة واحدة ” لقد رمى نفسه أمامي” كررها مئات المرات بهستيريا مرعبة.
أحدهم لاحظ ورقة ملطخة بالدماء تتدلى من جيبه، مرر أنامله ليلتقطها، و يخترق خصوصيته .
انا عدو نفسي
لا أستطيع التحمل، أنا أكرهني، أكره كل شئ متعلق بي، أكره إنعكاسي بالمرآة، أكره جسدي، شعري، أكره ضعفي، أكره استسلامي الدائم، أكره سقوطي المستمر بعد كل ضربة، و أكره بكائي الدائم كالأطفال، ليس البكاء المتمثل في دموع التماسيح، و لكنه أشبه بأسلوب تدمير ذاتي، ألية دفاعية تقتل كل ما أشعر بالإنجذاب نحوه، التركيز المستمر في التفاصيل، تعذيب الذات وسلخ وجدانها.
لقد دمرت إرثي في مصنع الحلوى، كنت الموظف الأفضل، كنت العقل المتفجر، الذي سيجعل هذا المصنع، المسيطر الأول على صناعة الحلوى حول العالم، أجهدت نفسي و أفنيتها، رغم الكثير من الكلمات، ” لا جدوى” ” أنت لا تغير شئ” ” أنت تفني حياتك في صناعة ميتة” أمنت بنفسي، و أمنت بما أنا قادر عليه، و لكن مع السقوط الأول، انهار كل شئ، إنهارت أحلامي، و انهار سعيي، لم أستطع حتى الخروج من سريري للعمل، تحولت من الأفضل للأسوء، لم أستطع يوماً أن أجدأرضاً متوسطة لأقف عليها، انا الأن أكره نفسي، الافضل أصبح بلاعمل، قصة حياتي المستمرة، المتمثلة في السعي المبالغ فيه، و المحاولات المستميتة لإثبات الذات، رغم أنه لا شئ يستحق إثباته، الحقيقة أنني لا أستطيع الإستمرار، فحياتي ما هي إلا دائرة مغلقة من نفس الحدث، و ها انا قد انهيت حياتي دون نجاح أو حتى متعة.
إنها النهاية
أغلق الرجل الورقة الملطخة بالدماء، واضعاً إياها في جيبه، و غادر مسرح الحدث مسرعاً، لم يلحظ أحدهم فعلته، و لم يلحظ أحدهم الشعار الذي يغطي قميصه، ” مصنع باتريك للحلوى”