كتب – سمير ألحيان إبن الحسين
قل عنها الصبر الاستراتيجي
أو الفعل الإستباقي
أو المكر الإستخباراتي
أو ما شئت
فعبر التاريخ، شكل الصراع الميدان الأوسع لاختبار الوعي بالقوة، فانبثقت من خلاله فكرة التغلب عبر إدارة إرادة الخصم. فالقوة تمثل طاقة ذهنية قادرة على تحويل فعل العدو إلى وسيلة تحقق مقاصد الطرف الأذكى. فمع تراكم الخبرة البشرية، تبلورت استراتيجية تعد من أعمق ما أنتجه الفكر السياسي والعسكري: جعل الآخرين يخوضون الحرب بالنيابة عنك، بحيث يظل الحضور العقلي هو القوة الفاعلة وراء كل حركة في الميدان.
عبّر صن تزو في فن الحرب عن هذا المبدأ حين وصف اكتمال النصر بالخضوع الذي يتحقق بلا قتال. تلك الفكرة جسدت السيطرة العقلية، وأصبحت القيادة تمارس من خلال توجيه الخصم إلى السلوك الذي يخدم مصالحك. ويمكن تتبع هذا المنطق في لحظات مفصلية من التاريخ؛ فحين ترك يوليوس قيصر مجلس الشيوخ الروماني يتآكل بفعل تناقضاته الداخلية، كان يمارس سلطة فكرية على خصومه من خلال توسيع شقوقهم النفسية والسياسية، حتى فتحت له الأبواب من تلقاء ذاتها. كما جسد صلاح الدين الأيوبي المبدأ ذاته حين أحكم مراقبته لمشهد التحالفات الصليبية إلى أن تفكك ارتباطها الداخلي، فاستقبل اللحظة التاريخية المناسبة دون اندفاع أو تبديد للقوة.
هذا النسق الذهني يجد امتداده في السياسة المعاصرة، خصوصًا في الحركات ذات الطابع العسكري داخل البيئات العربية، مثل حم_ا_س في فلسطين، وح-زب الله في لبنان، وجماعة الحوثيين في اليمن. فهاته التنظيمات تميل إلى تحويل الصراع إلى مواجهة مباشرة تقاس بشدة الرد، وهذا تحديدًا ما أدى إلى الكوارث الراهنة، فتتحول الساحة إلى فضاء تحكمه شروط الخصم. يُستدرج الأكثر اندفاعًا إلى توقيت لا يحدده بنفسه، فتنكمش فاعليته داخل إيقاع يحدده الآخر.
تنشأ الأزمة حين يتغلب البعد الانفعالي على الوعي الاستراتيجي، فيتحول الفعل العسكري إلى استجابة وجدانية تحمل طابعًا بطوليًا لكنها تفتقر إلى البنية الزمنية التي تضمن استمراريته. فالمقاومة التي تُختزل في المواجهة تفقد قدرتها على التحول إلى مشروع طويل الأمد. أما الحرب الحديثة فتتجاوز المواجهة المسلحة، إذ تتداخل فيها عناصر الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والسيكولوجيا، ليصبح التركيز على الهدف هو الأهم.
الإشكالية هنا في البنية الذهنية والثقافية التي تنتج القرار الحربي، حيث يميل الأفراد في هذه البيئات إلى تمجيد الفعل الفوري بوصفه معيارًا للكرامة، فيغيب التمييز بين التبصر والتراجع. وعند هذا الحد يفقد القرار إلى الحكمة، ويتحول إلى انفعال جماعي يعيد إنتاج الدائرة ذاتها من الخسارة والتمسك بالشكل البطولي، في المقابل، ترتكز الاستراتيجية لدى الآخر على إدراك إيقاع الزمن أكثر من إدراك شكل القوة. فالتحكم في الإيقاع يمثل أرقى صور الفاعلية السياسية، لأنه يمنح المنتصر سلطة تحديد اللحظة التي تصبح فيها الحركة ضرورة تاريخية. امتلاك زمام التوقيت والمكان يوازي امتلاك السلاح نفسه، ويحول الخصوم إلى أدوات داخل معادلته.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج