حرب الفوكلاند حين يتحول السلاح الى قيد والسيادة الى وهم
بقلم/أيمن بحر
في عام 1982 اندلعت حرب خاطفة بين بريطانيا والارجنتين حول جزر الفوكلاند استمرت اربعة وسبعين يوما فقط لكنها كشفت ما هو اخطر من معركة عسكرية عابرة لقد كشفت كيف يمكن للسلاح ان يتحول من اداة قوة الى اداة خنق حين لا يكون القرار بيد صاحبه
جزر الفوكلاند تقع على بعد اربعمائة وثمانين كيلومترا فقط من السواحل الارجنتينية بينما تبعد عن بريطانيا اكثر من ثلاثة عشر الف كيلومتر ورغم ذلك كانت اليد العليا في النهاية للندن لا بسبب الجغرافيا ولا بسبب الحق التاريخي بل بسبب مفاتيح السلاح
الارجنتين في ذلك الوقت كانت تمر بازمة اقتصادية خانقة فقرر المجلس العسكري توحيد الداخل عبر استعادة الجزر ونجح بالفعل في السيطرة عليها بسرعة لافتة في البداية مستندا الى ترسانة عسكرية اغلبها فرنسي الصنع مع عقود تدريب وتشغيل وصيانة موقعة رسميا مع باريس وكان للصواريخ الفرنسية اثر حاسم في ارباك القوات البريطانية خلال المراحل الاولى من القتال
بريطانيا تكبدت خسائر موجعة شملت سفنا حربية وطائرات ومروحيات وجنودا حيث سقط مئتان وخمسة وخمسون قتيلا وسبعمائة وخمسة وسبعون جريحا وخسرت سبع سفن كبرى واربع وثلاثين طائرة مقاتلة واربعا وعشرين مروحية وهو رقم ثقيل في حرب قصيرة وعلى مسرح عمليات بعيد
في ذلك الوقت كانت مارغريت تاتشر تقود بريطانيا وكان فرانسوا ميتران رئيسا لفرنسا وعندما شعرت تاتشر ان المعركة قد تنقلب ضدها لجأت الى اخطر ورقة وحسب ما ورد في مذكرات الطبيب النفسي لميتران فان تاتشر هددت باستخدام السلاح النووي ضد الارجنتين اذا لم تتعاون فرنسا وتقدم المعلومات التي تعطل فاعلية السلاح الفرنسي
لم يكن المقصود ايقاف الصواريخ بزر سحري لحظي كما يتخيل البعض لكن ما حدث كان اخطر فرنسا التي باعت السلاح ووقعت العقود تخلت عن حليفها في لحظة حاسمة وقدمت لبريطانيا معلومات مخابراتية دقيقة واكواد تشغيل وتفاصيل فنية افقدت الصواريخ الفرنسية دقتها وفاعليتها بل وتشير وقائع كثيرة الى ان تعطيل هذه المنظومات تم من داخل الاراضي الفرنسية نفسها
فرنسا لم تكتف بالمعلومات بل سلمت خرائط مواقع الصواريخ وغرف التحكم والتشغيل ولم يكن الامر مجرد رفض ارسال قطع غيار او فرق صيانة كما يروج بل كان قرارا سياسيا واضحا بالتضحية بالنظام العسكري الارجنتيني مقابل حماية الحليف الاوروبي بريطانيا
ومنذ سقوط جزر الفوكلاند وحتى اليوم لم تترك الارجنتين وشأنها الولايات المتحدة واوروبا عملتا بشكل ممنهج على ابقائها دولة ضعيفة اقتصاديا وسياسيا مع تدخل مباشر وغير مباشر في الانتخابات لضمان وصول رؤساء لا يفكرون في استعادة الجزر ولا في كسر التبعية الغربية
اخر هذه النماذج الرئيس الحالي خافيير مايلي الذي وصل الى السلطة بدعم مالي وسياسي غربي واضح وهو لا يخفي اعجابه الشديد بمارغريت تاتشر التي قادت الحرب ضد بلاده ولا يخفي ولاءه الكامل للكيان ودعمه العلني له وصوره ومواقفه معروفة للجميع
عند النظر الى مشهد الفوكلاند تتضح الصورة بريطانيا وفرنسا وامريكا والاتحاد الاوروبي ورئيس محلي موال للغرب وشعب يعاني الفقر والازمات والنتيجة دولة تبقى ضعيفة لا تملك قرار الحرب ولا السلام ولا حتى قرار استخدام سلاحها
الخلاصة التي لا يحب احد قولها بصوت عال ان سلاح الدولة اذا كان مفتاحه بيد غيرها فهو ليس سلاحا بل قيدا وان الحديث عن امكانية ايقاف سلاح الغرب وقت الحاجة ليس خرافة بل اقرب تفسير لما جرى ويجري
ومن لا يزرع غذاءه ولا يصنع سلاحه ولا ينتج دواءه فلا تصدق انه يملك سيادة حقيقية ولو رفع الف علمه فوق كل المباني
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج