كتب : دكتور احمد ابراهيم حنفي
عضو جريدة ديلي جراف عربية مدير جريدة الوطن الاكبر بمحافظة الغربية ومدير جريدة حوادث الغربية
عبقرية المكان: عندما تصبح الجغرافيا مصيراً سياسياً
لطالما كان مصطلح “عبقرية المكان” الذي صاغه المفكر جمال حمدان، هو المفتاح لفهم السياسة الخارجية المصرية. فمصر ليست مجرد دولة تقع في شمال أفريقيا، بل هي “حجر الزاوية” في هندسة الشرق الأوسط، وهذا الموقع هو الذي يمنحها سيادة ذات طبيعة خاصة، تفرض عليها أدواراً قيادية وتضع أمامها تحديات وجودية في آن واحد.
1. قناة السويس: شريان السيادة والضغط الدولي
تعتبر قناة السويس المثال الأبرز على تحول الجغرافيا إلى أداة سياسية سيادية. القناة ليست مجرد ممر ملاحي، بل هي ورقة ضغط استراتيجية تجعل من استقرار مصر مصلحة دولية عليا. أي اضطراب في هذه البقعة الجغرافية يهز أركان التجارة العالمية، مما يمنح القاهرة صوتاً مسموعاً في العواصم الكبرى، ويجعل من تأمين هذا المرفق جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العالمي.
2. مصر كجسر بين القارات والثقافات
تتفرد مصر بكونها “دولة عابرة للقارات” بوجود سيناء كحلقة وصل بين آسيا وأفريقيا، وإطلالتها على البحرين المتوسط والأحمر. هذه الجغرافيا جعلت من مصر:
المركز الإقليمي للطاقة: بفضل موقعها المتوسط بين منتجي الغاز والمستهلكين في أوروبا.
الوسيط الحتمي: في النزاعات الإقليمية، وتحديداً في القضية الفلسطينية، حيث تفرض الجغرافيا (حدود غزة) على مصر دوراً لا يمكن لأي طرف دولي آخر تجاوزه.
3. معضلة النيل: الجغرافيا والسياسة المائية
إذا كانت الجغرافيا قد منحت مصر القناة والبحار، فقد وضعتها أيضاً في اختبار صعب مع منابع النيل. هنا تتحول “سيادة الجغرافيا” من الهيمنة إلى الدفاع عن البقاء. ترتبط السياسة الخارجية المصرية ارتباطاً عضوياً بعمقها الأفريقي، وتدير الدولة صراعاً ديبلوماسياً معقداً للحفاظ على حقوقها التاريخية، مما يثبت أن الجغرافيا هي التي تحدد أولويات التحالفات والعداءات.
4. التحديات الجيوسياسية الراهنة
تواجه السيادة الجغرافية المصرية اليوم ضغوطاً من جهات مختلفة:
في الغرب: الاضطراب في ليبيا الذي يفرض عبئاً أمنياً على حدود برية شاسعة.
في الجنوب: النزاعات في السودان وتأثيراتها الديموغرافية والأمنية.
في الشرق: التوترات في البحر الأحمر وتهديد الملاحة، مما يؤثر مباشرة على عوائد القناة.
الخاتمة: حتمية الدور المصري
إن سيادة الجغرافيا المصرية تعني أن مصر لا تملك رفاهية “الانعزال”. فالموقع يفرض عليها أن تكون فاعلاً رئيسياً، سواء أرادت ذلك أم لا. قوة مصر السياسية تكمن في قدرتها على استثمار هذا الموقع ليكون جسراً للتعاون ومحوراً للاستقرار، وليس مجرد ساحة للتنافس الدولي.
في النهاية، تظل جغرافيا مصر هي “القدر” الذي صاغ تاريخها، وهي “البوصلة” التي ستحدد مستقبلها في نظام عالمي دائم التغير.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج