نحو مشروع وطنى جامع فى عالم يتجه إلى الفوضى الخلاقة

كتب/ أيمن بحر
لم يعد ما يشهده العالم اليوم مجرد اضطراب عابر فى العلاقات الدولية ولا سلسلة أزمات منفصلة بل نحن أمام مرحلة تاريخية يعاد فيها تشكيل النظام العالمي من جذوره وفق منطق القوة الصلبة والناعمة معا وفى قلب هذا التحول تقف شعوب ودول أمام اختبار البقاء أو التلاشى داخل معادلات كبرى لا ترحم الضعفاء
من هذا المنطلق لا يمكن قراءة صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم باعتباره حالة شاذة أو نزوة سياسية بل هو تعبير صريح عن تحولات بنيوية أعمق فى بنية النظام الدولى حيث جرى توظيف شخصيات صادمة ومثيرة للجدل لتنفيذ سياسات التفكيك وإعادة التركيب ضمن مشروع عالمى يسعى إلى هدم الأطر القديمة وإنتاج نظام جديد أكثر شراسة وهيمنة
ما يحدث ليس فوضى عشوائية بل فوضى مخططة تعرف فى الأدبيات السياسية باسم الفوضى الخلاقة وهى أداة تستخدم لتفكيك الدول وإضعاف الكيانات وكسر مراكز القوة التقليدية وإعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية والثقافية بما يخدم مصالح قوى عابرة للحدود لا تعترف بالسيادة ولا بالهوية
هذه العملية لا تتوقف عند حدود الصراع بين الدول بل تمتد إلى داخل المجتمعات ذاتها حيث يعاد تشكيل الوعي وتفكيك الروابط الوطنية وربط القضايا المصيرية بمراكز قرار خارجية تتحكم فى الاقتصاد والمياه والأمن والغذاء والهوية الثقافية
في العالم العربي تجلت هذه الاستراتيجية بوضوح حيث تحولت ملفات حيوية مثل مياه النيل والأمن الغذائى والاقتصاد الإقليمى إلى أوراق ضغط ضمن صراعات دولية معقدة تشارك فيها قوى إقليمية ودولية وجماعات عابرة للحدود تعمل أحيانا خارج إطار الدولة الوطنية وفى تناقض مباشر مع مفهوم السيادة
هذا التفكيك المتعمد للداخل العربى ليس نتيجة ضعف عارض بل جزء أصيل من مشروع الهيمنة الشاملة الذي يدرك أن السيطرة تبدأ من الداخل عبر ضرب الوعي وتفتيت المصالح وإشغال المجتمعات بصراعات هامشية تبعدها عن جوهر المعركة
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في حجم المؤامرة بل في الخلل العميق في وعينا الجمعي حيث جرى اختزال التحولات العالمية في أشخاص وتحويل النقاش إلى سخرية من الرموز بدل تفكيك البنى والاستخفاف بأدوات الهيمنة بدل فهم آلياتها إن النظر إلى ترامب باعتباره ظاهرة هزلية يحجب عنا كونه أداة فعالة في مرحلة انتقالية قد تقصي أمما كاملة من التاريخ إن لم تمتلك مشروعها الخاص
ورغم وضوح المشهد وخطورة المرحلة لا يزال العالم العربي يفتقر إلى مشروع استراتيجي جامع يعيد تعريف المصالح الوطنية والقومية في إطار متكامل فلا توجد رؤية شاملة تعيد ترتيب الأولويات وفق احتياجات الشعوب ولا تصور موحد يربط الأمن بالاقتصاد بالهوية ولا استراتيجية تضع العلاقة مع العالم على أساس الندية لا التبعية
إن غياب هذا المشروع يجعل الدول العربية مجرد ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية تدار الصراعات فوق أراضيها وبمواردها وبدماء أبنائها بينما تقف هي في موقع المتلقي العاجز
إن الخروج من هذا المأزق التاريخي يقتضي إطلاق مشروع وطني وقومي جامع يقوم على إعادة بناء الوعي الجمعي والانتقال من رد الفعل إلى الفهم البنيوي لطبيعة الصراع العالمي وإعادة تعريف المصلحة الوطنية باعتبارها مصلحة الشعوب لا مصلحة النخب أو التحالفات المؤقتة
كما يتطلب تحصين الداخل الوطني عبر بناء دولة قوية عادلة قادرة على احتواء تنوعها ومنع اختراقها وإطلاق مشروع عربي تكاملي يبدأ من المصالح الاقتصادية والمائية والغذائية والثقافية المشتركة بوصفها أساسا لوحدة واقعية لا شعاراتية
ويظل العنصر الحاسم هو إعادة ضبط العلاقة مع العالم من موقع الفاعل لا المنفعل ومن منطق التوازن لا الارتهان مع الحفاظ على القدرة على المناورة دون التفريط في الثوابت
اليوم يقف العالم عند مفترق طرق حاسم تعاد فيه كتابة قواعد اللعبة الدولية ومن لا يملك رؤية واضحة ومشروعا جامعا سيجد نفسه مجرد رقم تابع في نظام عالمي جديد لا يعترف إلا بالقوة والتماسك
إنها لحظة اختيار تاريخية
إما أن نكون فاعلين فى صياغة مستقبلنا
أو مجرد موضوعات يعاد تشكيلها على طاولات الآخرين
فهل من مستجيب
وقبل فوات
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج