أخبار عاجلة

الروحانية العجيبة في القرآن الكريم 

الروحانية العجيبة في القرآن الكريم 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله مُعين الصابرين، أحمده سبحانه يكشف الهم ويزيل الغم عن المكروبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد الصابرين وإمام المتقين، اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد لقد أمرنا الله عز وجل بالتفكر والتدبر في الكون وفي مخلوقات الله وفي النفس أيضا، ولفت أنظارنا إليه فقال ” وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون ” لذلك من يتأمل في خلق الإنسان وكيف يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا، ثم طفلا فشابا فشيخا، وهو في كل هذه الأطوار محاط بالعناية والرعاية، قد هُييء له كل أسباب الغذاء التى تحفظ عليه حياته وتستبقى قوته، كل ذلك مع ضعفه وتمام عجزه، ثم يتأمل في أجهزته من جهاز عصبي ودوري ومناعي وسمعي وبصري وهضمى وغيرها كثير. 

 

وكلها تعمل في تناسق مذهل وإحكام مدهش يدرك أنه لا يمكن أن يكون هذا كله من عمل العشوائية والصدف كما يدعي الملحد وإنما هو من إبداع خالق حكيم سبحانه وتعالى، لذلك كله كان التفكر عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أجل القربات، بل جعلها ابن عباس رضي الله عنهما خيرا من قيام الليل، فقال ” تفكّر ساعة خير من قيام ليلة” وما ذلك إلا لجليل نفعه، وعظيم أثره، وعلى العموم فكلما زاد المؤمن تفكرا بمخلوقات الله عز وجل، كلما زاد يقينا به وإدراكا لعظمته وقدرته، وإن من أسباب حصول اليقين لدي الإنسان المسلم هو قراءة القرآن الكريم بتدبر، فالقرآن الكريم هو كلام الله عز وجل إلى خلقه وحجته على عباده، لذلك من أراد اليقين بالله فليسمع كلامه وليتدبر آياته، إن آيات القرآن الكريم كلها ناطقة بأنها كلام الله الحكيم الحميد ” لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ” 

 

وإن من يقرأ القرآن الكريم بتدبر، ويفتح له قلبه وعقله يشعر وكأن الله يكلمه، ويتحدث إليه يبصره بطريقه ويهديه إلى سبيله، فإن هناك في القرآن روح عجيبة روح تسري إلى القلب فيتملكه العجب من روعته، وتشع في النفس فيأسرها ببلاغته، لذلك كان يأسر قلوب الكافرين به، المعاندين له، فهاهم كفار مكة عندما يسمعون القرآن لا يلبثون إلا أن يقروا بعظمته ويذعنوا لفصاحته فيصفونه بكل جميل وينعتونه بكل حسن مع إجلال له وإكبار، وها هو عتبة بن ربيعة عندما جاء يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم مطالب قومه، تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم الآيات من أول سورة فصلت حتى إنتهى إلى قوله تعالى ” ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن غن كنتم إياه تعبدون ” فسجد ثم قال قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك.

 

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم، ومع ذلك ما منعهم من الإيمان به إلا جحود قلوبهم وضلالة عقولهم، وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان سبب إيمانه إلا تلألؤ أنواره في قلبه وسريان روحه إلى نفسه فجعلت منه خلقا آخر. 

 

وحولته من أكبر المعاندين له إلى أكبر المؤمنين به وذلك عندما قرأ أوائل سورة طه من صحيفة كانت عند أخته وكانت قد أسلمت قبله فذهب ليعنفها فوجد عندها الصحيفة فلما قرأ أوائل سورة طه، سلب القرآن لبه واستولى على نفسه، وسرت روحه في كيانه فما فارق بيت أخته إلا وقد أعلن إسلامه، وهذا بسبب الروحانية العجيبة في القرآن الكريم والتى هى من أكبر الدلائل على إعجازه وأنه من عند الله العلى الحكيم.

شاهد أيضاً

السيسي وترامب والقرن الأفريقي: مقامرة “الصفقة” في حقل ألغام الجيوسياسة

كتب : دكتور احمد ابراهيم حنفي عضو جريدة ديلي جراف عربية مدير جريدة الوطن الاكبر …