إسلاميات ومع الرسول وحجة الوداع ” الجزء السادس”
إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السادس مع الرسول وحجة الوداع، وقد اختلف في عدد مرات بنائها، ويتحصل من مجموع ما قيل في ذلك أنها بُنيت عشر مرات، منها بناء الملائكة عليهم السلام، ومنها بناء آدم عليه السلام، ومنها بناء أولاده، ومنها بناء العمالقة، ومنها بناء الخليل عليه السلام، ومنها بناء جرهم، ومنها بناء قصي بن كلاب، ومنها بناء قريش، ومنها بناء عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي رضي الله عنهما، ومنها بناء الحجاج بن يوسف الثقفي، وإن الكعبة المشرفة إذا ذكرت عند المسلم اهتز القلب بالتعظيم، وتتحرك بالحنين جوانحه، إذا شاهدها المسلم صغرت الدنيا في عينه، وزهدت عينه في كل منظر سواها، كم من الدعوات رفعت حولها؟ وكم من عبره سكبت أمامها؟
وكم من قلوب تقطعت تريد بلوغها؟ فالكعبة المشرفة ما فضلت لجمال جدرانها أو ثمنيه بابها وميزابها أو فخامة كسوتها، فكل ذلك يوجد ما هو أفخم منه، وأعلى ثمنا، وإنما فضلت الكعبة لموضعها، فقد جعله الله تعالى مباركا وفضله على غيره من البقاع، وشرع فيه عبادة تخصه دون غيره، كالطواف وكتقبيل الحجر الأسود، فالكعبة المشرفة، وما أدراك ما الكعبة؟ إنها ذلك البناء القديم، والبيت العتيق، أول بيت وضع للناس في الأرض، رفعه الخليل وابنه عليهما السلام، وضعا قواعده على أساس كان قبله، وبعد ان أحكما البناء أمره الله تعالى أن يؤذن فيه بالحج فتتابعت أجيال على التعبد فيه، وطافت به أمم تلو أمم، ولا يعلم بناء في الأرض طيف به قدر ما طيف بالكعبة.
ولا تعبد عنده كما تعبد عندها، ولا يُحصي ذلك إلاّ الله تعالى، وقد امتازت الكعبة أنها تضرب في عمق التاريخ البشري، لم يتغير مكانها، ولم يُطمر تاريخها، ولم يتخذ المؤمنون بناء غيرها، ولم يختلفوا عليها، ويملوا من التوجه إليها، وكل مؤامرات هدمها أو صرف الناس عنها باءت بالفشل، والكعبة المشرفة انفردت أن التعبد تعبد عندها تعبد بحق، والطواف حولها طواف بحق، واستقبالها استقبال بحق، فلم تكن في أول الإسلام قبلة للمسلمين بل كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، حتى نزل قول الله تعالى “قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره”
فكانت الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين إلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله تعالى، والكعبة المشرفة هي الكعبة منذ زمن الخليل عليه السلام على يومنا هذا وإلى أن ينزل المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى امه السلام فيطوف بها، وإلى أن تقوم الساعة، وقد ذكر أهل التاريخ والسير أنه أنهد بناءها مرة فبناها العمالقة، وانهدت أخرى فبنتها قبيلة جرهم، وكانت العرب تعظمها وتكسوها، كما أخبرت بذلك السيدة عائشة رصي الله عنها قالت “كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان وكان يوما تستر فيه الكعبة” رواه البخارى، وقد ذكر أهل التاريخ والسير أيضا أن أشهر حوادثها أنها احترقت أو هدمها السيل والنبي صلى الله عليه وسلم في ريعان شبابه قبل أن يبعث بالنبوة.
فوهت أركانها، فهدمتها قريش بعد تردد وخوف من التجرؤ على الكعبة، وأعادت بناءها حتى إذا بلغوا موضع الركن اختصموا فيمن يضعه، وتنازعت قريش في ذلك كل منهم يدعي أنه الأحق بوضع الركن، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول من يطلع من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فطلع محمد الأمين صلوات ربي وسلامه عليه، فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر بسيد كل قبيلة فأعطاه ناحية ذلك الثوب، ثم ارتقى هو وأمرهم أن يرفعوه إليه، فرفعوا إليه الركن فكان هو من وضعه، وكانت الكعبة المشرفة قبل بناءها وتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وثلاثين سنة ابتنى ابرهة كنسية وأحكم بنائها، وزينها، وأراد أن يحول الناس إليها بدل الكعبة.