“ياسمين والزفير”

“ياسمين والزفير”

بقلم طارق غريب 

 

(صوت طارق في العتمة ، عميق ، 

تأملي ، كأنه يحدّث الوعي لا الجمهور.)

طارق :

أيتها الليلة التي تُنصت أكثرَ مما تتكلم

يا صدى الوجود حين يختبئ خلف أنوثته ، 

 ليعيد تعريف المعنى

هل سأل أحدٌ نفسه يومًا :

من أين تبدأ المرأة حين لا يُسندها العالم؟

هل تبدأ من قلبها؟

أم من ذاكرةٍ لم تكتبها بعدُ يدُ الرجال؟

أنا لا أتحدث عن امرأةٍ بعينها ، 

بل عن شمس أخرى ، ليست التي نعرفها ،

بل التي تُشرق في الداخل حين تنطفئ كل الأنوار.

نحن لا نراها ، لأنها لا تطلّ من النوافذ ،

بل من الشقوق التي تركتها الخيبات في الجدار.

كل امرأةٍ حين تصمت ، تكتب مسرحًا سرّيًا ،

تُعيد فيه توزيع الأدوار :

فتُصبح هي الكاتبة ، وهي البطلة ، 

وهي القاضي ، وهي المذنب ،

وكل ما تبقّى مجرّد ظلال على حائط الصبر.

هذه الليلة ، لن نُحاكم أحدًا ،

لن نطلب اعترافًا ، ولن نُصدر حكمًا.

سنكتفي بأن نُصغي ، لا إلى ما يُقال

بل إلى ما يحدث في الصمت بين الكلمات.

الليلة

شمسٌ جديدةٌ تُولد من رمادها ،

وتتكلم أخيرًا بلسان الوعي لا الخضوع.

 

(صمت قصير ، ثم يبدأ الضوء يتسلل إلى المسرح.)

(ياسمين تجلس في منتصف المسرح ، أمام مرآة مائلة ، الضوء يلامس نصف وجهها فقط.)

ياسمين : هل تعرفون ما أقسى من الوحدة؟

أن تكون محاطة بالعالم ، ولا يراك أحد.

كنتُ أظنّ أنني أعيش ، 

لكنني كنتُ أؤدي دورًا مكتوبًا بخطٍّ لا أعرفه.

كل خطوةٍ كانت موقّعة باسم غير اسمي ،

وكل كلمةٍ تخرج من فمي تمرّ أولاً من غربال التوقعات.

كنتُ ابنةً ، ثم تلميذةً ، ثم امرأةً “صالحة”.

كلمة جميلة ، لكنها تشبه قفصًا مطليًا بالذهب.

(تنظر إلى المرآة)

ياسمين ، هل ما زلتِ هناك؟

كم مرةٍ حاولتِ أن تهربي مني؟

وكم مرةٍ صدّقتِ أن الهروب خلاص؟

كنتِ تسيرين على خيطٍ من الضوء ،

لكن كلما اقتربتِ من الحقيقة ، انطفأ المصباح.

قالوا لي : كوني لطيفة. فكنتُ لُطفي وأنا أنزف.

قالوا لي : كوني صبورة.

فصبرتُ حتى انكسرت عضلة الحلم.

قالوا : كوني أنثى ، فكنتُ ظلًّا لأنثى لم تُخلق بعد.

لكن ، من قال إن الأنوثة ضعف؟

ومن قال إن الحنان لا يُمكن أن يكون سلاحًا؟

أنا لستُ ناعمة كما تظنون ، 

أنا كالماء ، أحتوي كلّ الأشكال ،

لكنني حين أفيض ، أغرق مدينةً كاملة دون ضجيج.

في داخلي امرأة أخرى ،

لا تعرف المكياج ولا اللغة ولا أسماء الشوارع.

امرأةٌ بدائيةٌ كالدهشة ، تضحك حين تبكي،

وتبكي حين ترى طفلًا ينام على ظلّ حلمه.

تلك هي ياسمين التي خبأتها عنكم.

التي تكتب الشعر على أطراف الليل ،

وتزرع وردًا في الأماكن التي أهملها الضوء.

(تقترب من المرآة ببطء)

أتعلمين يا مرآتي؟

كلما نظرتُ إليك ، رأيتُ امرأةً جديدة.

واحدة تجرّ خلفها ماضيها كذيل فستانٍ ممزق ،

وأخرى تمشي فوقه كأنه بساطُ نجاة.

أنا الاثنتان معًا. الخائفة ، والجريئة.

الضعيفة ، التي تعلّمت أن الضعف ليس عيبًا ،

 بل اعترافًا بالحياة.

أيها العابرون في عمري ، لا أريد تصفيقكم.

ارفعوا فقط رؤوسكم قليلًا نحو السماء ،

وشاهدوا امرأةً تستعيد ضوءها الأول.

الليلة لن أكون جميلةً كما تظنون ،

بل صادقة كما لم أتجرأ يومًا أن أكون.

أنا “ياسمين” ، ابنة الأرض والماء ،

ولدتُ مرتين ، مرةً حين بكيت،

ومرةً حين قررتُ ألا أُخفي دموعي بعد الآن.

(صمت مطبق ، 

 موسيقى خافتة تشبه أنين الريح في آخر الليل.

خيط ضوء رفيع يهبط من أعلى المسرح نحو ياسمين.)

صوت طارق كصدى بعيد :

يا ياسمين ، 

هل تعلمين أن الضوء لا يولد من المصباح ،

بل من القلب حين يصدق نفسه؟

(ياسمين ترفع يدها نحو الضوء ، 

كأنها تلمس وهمًا.

يتسع الضوء حولها تدريجيًا ، يغمرها.)

ياسمين بهمسٍ أقرب إلى صلاة :

كنتُ أظنّ أنني أبحث عن رجلٍ يفهمني ،

فاكتشفتُ أنني كنتُ أبحث عن نفسي.

كنتُ أظنّ أن الحبّ وجهٌ آخر للنجاة ، 

فاكتشفتُ أنه وجهٌ آخر للمعرفة.

كنتُ أظنّ أنني أنثى تكمل نصف العالم ،

فاكتشفتُ أنني العالم كلّه حين أصدق أنني موجودة.

(تتحرك ببطء كأنها ترقص مع الضوء ، 

وكل خطوة تمحو ظلًّا خلفها.)

ياسمين :

أنا لستُ زهرةً في مزهرية أحد ،

 ولا حلماً مؤجلاً في دف مغلق.

أنا نَفَسُ الأرض حين تتنفس صدقه ،

أنا الأنثى التي تعود إلى أصلها ، نورٌ في صورة إنسان.

(الضوء يشتدّ حتى يغمر المسرح كله.

تضحك وتبكي في آن ، ثم تتلاشى في وهجٍ ناعم.)

صوت طارق من بعيد :

وهكذا 

حين فهمت ياسمين نفسها ، توقفت عن انتظار العالم.

وحين توقفت عن الانتظار ، بدأ الوجود يتكلم بصوتها.

(آخر ما يُسمع هو همسها الأخير ، 

خفيف كأنفاس الورد )

ياسمين :

كلّ أنثى وعيٌ ينتظر أن يُسمع

فإذا تكلّم ، أزهرت الأرض من جديد.

(ورقة بيضاء تسقط من أعلى المسرح ،

عليها بخط يدوي كلمة واحدة: “شَمس”.)

ستار

 

شاهد أيضاً

انطلاق بطولة الإسماعيلية الدولية لكرة القدم (النسخة الثانية)

الإسماعيلية ـ أحمد نجاح البعلي & عبدالله عامر    تستضيف القرية الأولمبية بمدينة الإسماعيلية فعاليات …