وجدت وطني

وجدت وطني

قصة كتبها: عبده داود
آب 2021

هذه القصة شبيهة بأحداث مماثلة تجري في العالم الثالث، ترويها لنا السيدة لانا كما عايشتها.
قالت: كنت حينها أستخرج أوراق من أجل سفري الى موسكو، طلب مني الموظف طوابع.
سألته، من أين آتيك بها؟
قال: هناك في آخر الشارع توجد مكتبة تجدين فيها طلبك.
قلت: هل عليّ الذهاب في هذا الجو الخانق، كل هذه المسافة حتى أحضر الطوابع! وقلت بعصبية: إلى متى هذا الاستهتار بالمواطن؟ ألا تعرف الدولة كيف تخفف اثقالاً سخيفة كهذه علينا؟
رد الموظف: وهل تريدين من الدولة الغاء نظام الطوابع؟
قلت: لا يا سيدي، أنا لا أطالب إلغاء الضرائب العادلة، هذا حق وواجب…إنما أطالب انجاز المعاملات بشكل أسهل، يريح المواطنين، مثلاً كومبيوتر يمهر الأوراق، بدل الطوابع التي تكلف الدولة الملايين دون مبرر…
نظر لي الموظف مستهزئاً وقال: أظنك تعيشين في أمريكا…
قلت جميع الدول الراقية اليوم، تعتمد الحكومات الإلكترونية، ينهى المواطن معاملته من مكان واحد، وليس من ألف مكان، وكل مكان في شارع وربما شارع بعيد، أو ربما في بلد آخر…
إلى متى سنبقى متخلفين! الحمد لله أنا مسافرة وسأهرب من هذه المنغصات، لم أعد أطيق هذا البلد. ولم أعد أريد الانتماء له…
شاب وسيم كان ينتظر دوره بجانبي قال خففي عنك يا سيدتي.
قلت: صدقاً منذ فترة وأنا أركض من مبنى إلى مبنى، ومن دائرة إلى دائرة، وكل دائرة في مكان، ويجب استخدام سيارات أجرة وندفع النقود حسب طلب السائق، لأن جميع السائقين يدّعون بأن عداداتهم عاطلة، وهم ينتظرون دورهم المزعوم من أجل الصيانة، ويطلبون اضعاف الأجرة المقررة، وإذا اوقفهم شرطي مسئول، تسبق الرشوة إلى يد الشرطي وينتهي الأمر.
السائق يقول نحن نشتري المحروقات من السوق السوداء لأن مسؤولين يسرقون مخصصات محطات الوقود وحتى مخصصات التدفئة للأهالي ويبيعونها خفية وحتى علناً… والشرطي يقول: راتبي لا يكفيني ثمن خبز وعندي أطفال في المدارس وأهلي بحاجة إلى دواء بشكل دائم، كيف ادبر الأمور؟
المصائب كبيرة في هذه البلد ولا يبدو هناك أمل في الأفق…
قاطعني الشاب وقال: الله يفرجها، وقال: يبدو إنني أحتاج أيضاَ لذات الطوابع لمعاملتي لأنها مثل معاملتك.
تفضلي أنت استريحي هنا، وأنا سأذهب وأحضر الطوابع لي ولك…
عاد الشاب والعرق يتصبب منه، تشكرته جزيل الشكر، وهو رفض بإصرار أن يـأخذ قيمة الطوابع.
بعدها ترافقنا سوية إلى دائرة أخرى، لاستكمال أوراقنا.
في تلك الدائرة، تعارفنا اكثر، الشاب لطيف المعشر، راقي التعامل، قال: اسمي عبود، قلت: اسمي لانا.
في تلك اللحظة أنقطع التيار الكهربائي، قالوا يمكنكم العودة غداً…
كدت انفجر لولا عبود قال صبراً: أيام ونغادر إلى عالم الحضارة…
ثم أردف مخففا عني، ولا يهمك، أنا غداً سأحصل على التواقيع اللازمة، لا حاجة لعذابك أنت… وسوف أحضر لك المستندات حيث تكونين. لا تحملي هماً
وتحت إصرار عبود على تأدية الخدمة لي بدون أي ازعاج له، وافقت، وافرحني جدا عندما قال ما أروع عصبيتك يا لانا، أقول لكم بصراحة: أعجبني الشاب. ووثقت به.
اعطيته عنوان بيتي، وتبادلنا أرقام هاتفينا وافترقنا.
في اليوم التالي، هاتفني قال لي بان المعاملة جاهزة معي، وهو في طريقه ليسلمني إياه.
ركضت إلى المرآة أهندم ذاتي وشعري، وارتديت أجمل أثوابي.
فتحت باب البيت، تأملته بدا لي وسيما، حسن الهيئة، أنيق في هندامه، سلمني الوثائق. أصرينا أنا وامي على استقباله حتى نتشكره على خدماته وتعبه.
فهمنا منه، بأن الشاب يعمل في المانيا، وإنه أتى خصيصاً ليتزوج صبية من اختيار أهله، ولكن الصبية لم تعجبه… لذلك سيعود إلى المانيا دون أن يصادف العروس المناسبة.
قالت الأم، ابنتي مصرة على دراسة الطب في موسكو، رغم إن علاماتها تخولها الدراسة في الجامعة هنا، لكنها تريد الهروب من هذا البلد. الذي بات يحرق أعصابها باستمرار…
هلكت ابنتي في دراسة اللغة الروسية، وانجاز الوثائق والترجمة وخلافه، ولا يزال عليها سوى إنجاز معاملة جواز السفر ولا احد ساعدها…
قال عبود، أنا ايضاً بحاجة إلى تجديد جواز سفري…إذا كانت ترغب لانا بمرافقتي، أنا أود ذلك، لقد احببت حديثها، وانفعالاتها، وثورتها، وخفة دمها. وهكذا نحن سوية لا نشعر بثقل انجاز المعاملات.
قلت على الفور، ألف شكر لك، طبعاً أنا أحب أن يساعدني أحد في أمور كهذه لم يسبق لي أن قمت بها من قبل.
وهكذا تكرر لقاؤنا، من أجل انجاز وثائق السفر، وتنامت مشاعر الاعجاب بيننا، وظهرت غرست الحب تزهر، وبدت براعمها، ولم تعد نظراتنا خافية على أحد منا، لكن لم نتصارح. ولماذا نتصارح؟ سنفترق خلال أيام قليلة لا محال، عبود ذاهب إلى المانيا، وأنا ذاهبة إلى موسكو…
أخيراً، كان لقاؤنا في مكتب قطع تذاكر الطيران. جلسنا ننتظر انجاز بطاقات سفرنا، نظر إلي عبود نظرة لن أنساها طيلة عمري، وقال بعفوية وشفافية أذابت روحي، أنا أحببتك، وأتمنى أن تسافري معي إلى المانيا، وبذلك أكون قد حققت الهدف من وجودي هنا، ما رأيك؟
تجمدت أنا، ولم أنطق بحرف، وأحسست بأن قلبي وحده يتحرك، وتضاعفت نبضاته. ولم أجب، لكن قطع جمودي الموظفة حين قالت تفضلي بطاقتك إلى موسكو…
نظر إليّ عبود منتظراً سماع كلمة مني، وأنا أحسست بأن قلبي لم يعد مكانه، الحب سرق كياني، وشاهدت العالم كله في هذا الشاب، قلت بذاتي عبود هو عالمي ووطني الجديد، ليست موسكو، ولا أي بلد آخر في الدنيا،
حينها بعفوية مطلقة قبلت عبود، وقلت إلى قاطعة التذاكر لا يا سيدتي، أنا لست مسافرة إلى موسكو، أنا مسافرة إلى ألمانيا…
إلى لقاء بقصة جديدة

شاهد أيضاً

يمكن نشوف القمر

يمكن نشوف القمر بقلم / صالح منصور جربت كل الامك والحسرة والندم جربت النصره والخذلان …