بقلم ـ طارق غريب
المسرح مظلم تماماً
ثم يظهر ضوء أزرق خافت ، ليس فوق هالة ، بل حولها
كأن الضوء لا يملك الجرأة ليقع عليها مباشرة
فيكتفي بالدوران حول حدودها
تتقدم هالة بخطوات لا تصدر صوتاً
كأن الأرض تعودت عليها من عمر بعيد
وجهها ليس حزيناً
بل يشبه إنسانة أدركت شيئاً جوهرياً لا تحتاج معه للبكاء
(تقف . تتنفس)
وتنظر ناحية طارق كما ينظر أحدهم إلى سؤال
لم يجد له جواباً إلا في تلك اللحظة
هالة : هل تعرف يا طارق
أنا لم آت هنا لأفهم ، ولا لأشرح نفسي
ولا لأثبت أن لي مكاناً في عالم يعشق الزحام
أتيتُ لأني شعرت بشيء ينهض داخلي
شيء لا يحتمل الصمت أكثر
(تقترب قليلا )
الضوء يدور حولها بسرعة غير ملحوظة
كأنه يفتح طبقة من حضورها كانت مغلقة
هالة : كنت امرأة تبحث عن ملاذ
ثم اكتشفت أن الإنسان حين يهرب من شيء
يركض في دائرة
وأنه لا يخرج من تلك الدائرة إلا عندما يقرر
أن يقف ويواجه نفسه ، لا العالم
(ترفع يدها نحو الفضاء كأنها تمسك بخيط غير مرئي)
هالة : في داخلي امرأة تعرف أن الحياة ليست صراعاً
وليست سلاماً ، بل حركة ، حركة بين طرفين
ما أردناه ، وما أصبحنا عليه
أما أنا
فقد طال بي الوقوف بين الطرفين حتى صرت جسرهما
( تجلس على طرف خشبة المسرح ، دون رهبة )
هالة : أنا امرأة لم تعد تخاف النقص ، ولا تطلب الكمال
تعلمت أن الإنسان لا يُرى في لحظاته القوية
بل في لحظاته التي ينهار فيها قليلاً ثم يبتسم
ابتسامة صغيرة لا يلاحظها أحد
لكنها تعني أنه ما زال قادراً على البدء
(تنظر إلى طارق مباشر )
هالة : وأنت يا طارق ، لست رجلاً في مسرحي
أنت المساحة التي أرى فيها ظلالي ، والظل الذي يحمي ضوئي والضوء الذي يكشف ضعفي دون أن يحكم عليه
ثم تنهض ببطء وتترك خلفها ضوءاً خافتاً
يشبه أثر إنسانة لم تخرج من المسرح
بل تركت جزءاً منها معلقاً في الهواء
(صوت ريح خفيف)
ليس ريحاً حقيقية ، بل ذلك الصوت الذي يسمعه الإنسان
في داخله عندما تتغير حياته فجأة
هالة تمشي بخطّ مستقيم جداً
كأنها جاءت لتقول شيئاً واحداً فقط
لكن الوصول إليه يمر عبر حياة كاملة
تتوقف في منتصف المسرح
هالة : أحياناً نحتاج إلى مكان لا يعرفنا
مكان لا يعيد علينا وجوهنا القديمة
ولا يسأل : من كانت هالة قبل أن تصل؟
أنا هنا لأنني لم أعد أحتمل السير داخل الذاكرة
كأنها مدينة بلا مخارج
( تقترب خطوة , خطوتها تحمل وزناً )
هالة : كنت أظن أنني أفهم نفسي
إلى أن اكتشفت أن الإنسان حين يظن أنه يعرف ذاته
يكون قد توقف عن البحث ، وأنا لا أريد أن أتوقف
( تنظر إلى طارق ،نظرة هادئة لكنها ممتلئة بما لا يقال )
هالة : وجودك في اللوحة ليس حضوراً عادياً
أنت جزء من فضائي الداخلي
الإنسان يلتقط أحياناً وهجاً غريباً من شخص
لا يعرف سببه ، لكنه يعرف أنه حقيقي
وأنا التقطت منك شيئاً ، شيئاً يشبه الباب
( تتقدم خطوة أخرى )
هالة : ولهذا جئت ، لا لأفتح الباب
بل لأعرف لماذا ظل مغلقاً كل تلك السنوات
(تجلس . لا تبحث عن الراحة ، بل تستدعيها )
هالة : كلما كبرت ، اكتشفت أن المرأة لا تتمزق بالحب
بل بفكرة أنها يجب أن تكون قوية طوال الوقت
القوة جميلة ، لكنها حين تصبح قناعاً ، تُنهك الروح
( ترفع رأسها بقوة هادئة )
هالة : جئتُ لأعترف أنني تعبت من القوة
وأريد أن أكون إنسانة فقط
امرأة لها حق أن تنهار قليلاً ، وتعود
(ثم تنهض)
هالة : أنا امرأة تعلمت الدرس الأصعب
أن الإنسان لا يحتاج إلى تفسير نفسه
بل يحتاج إلى أن يتوقف عن الاعتذار عن وجوده
( الظلام ينكمش قليلاً مع كل حركة لها )
هالة : قضيت عمراً أراقب الآخرين
أراقب كيف يهربون من حقيقتهم
وكيف يصنعون صوراً جميلة ليخفوا وراءها
خوفاً عميقاً من أنفسهم
لكنني لم أهرب ، وقفت في الظلام حتى صرت أعرف ملمسه
( تقترب من طارق ببطء )
هالة : أنت تعرف يا طارق ، أن بعض النساء لا يبحثن عن يد ولا عن كتف ، بل عن مرآة
مرآة لا تعطيهن صورتهن كما يريد الناس
بل كما هنّ فعلاً
( تضحك ضحكة قصيرة )
هالة : وأنا لا أريد أن أبدو قوية ، أريد أن أبدو صادقة
والصدق مخيف ، أكثر من الظلام
أكثر من الوحدة ، أكثر من الحب
( تجلس على كرسي وحيد في عمق المسرح )
هالة : كل امرأة تحمل سؤالاً لا تسأل أحداً عنه
وسؤالي كان دائماً
لماذا أرتجف عندما أقترب من حقيقتي ؟
وأدركت أخيراً : لأن الحقيقة لا تُطمئن ، الحقيقة تعري
( تنظر إليه مباشرة ، دون رمش )
هالة : وجودك هنا لا يجعلني أقوى ، ولا أضعف
بل يجعلني قادرة على قول ما لم أقله
أنا لست امرأة تنتظر شيئاً ، ولا امرأة تبحث عن اكتمال
أنا امرأة تخلق ذاتها كل يوم
وأعرف أن الخلق أصعب من الحب
( ثم تقف وتخرج في هدؤ)
الظلام يعود كما كان ، لكن شيئاً في الهواء تغير
كأن المسرح يحتفظ بظلها حتى بعد زوالها
ستار
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج