ناتو عربي قيد التشكيل هل تفرض الفوضى الإقليمية ميلاد القوة العسكرية العربية الموحدة

كتب/ أيمن بحر
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن تحوّل استراتيجى عميق فى طريقة تفكير عدد من الدول العربية والخليجية تجاه أمن المنطقة فى ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات الإقليمية وتراجع فعالية منظومة الأمن التقليدية سواء الدولية أو الثنائية. هذا التحول يتمحور حول فكرة تأسيس قوة عسكرية عربية مشتركة، تستند إلى الخبرة القتالية والتنظيمية للجيش المصرى وتُدار بقيادة مشتركة بين مصر والسعودية بهدف سد الفراغ الأمنى المتزايد فى الإقليم.
المنطقة العربية تعيش منذ سنوات حالة من السيولة الأمنية حيث تتشابك الصراعات الداخلية مع التدخلات الخارجية وتتراجع قدرة الدول منفردة على حماية حدودها ومصالحها الاستراتيجية. من العراق إلى الخليج مرورًا بالبحر الأحمر وشرق المتوسط تتزايد التحديات المتمثلة فى الميليشيات المسلحة والحروب بالوكالة، والتهديدات البحرية فضلًا عن الإرهاب العابر للحدود. هذه المعطيات دفعت عددًا من العواصم العربية إلى إعادة تقييم فكرة الأمن الجماعى والانتقال من التنسيق السياسى إلى التفكير فى قوة ردع فعلية.
وبحسب ما ورد فى التقرير، فإن المشروع قد ينطلق بقوة أولية قوامها نحو 20 ألف جندى على أن تكون هذه القوة نواة لتشكيل عسكرى أكبر قابل للتوسع، يضم قوات برية وجوية وبحرية، ومجهزًا بأحدث أنظمة التسليح، وقادرًا على الانتشار السريع والتدخل المباشر فى حال تعرض أى دولة مشاركة لعدوان أو تهديد استراتيجى. التصورات المستقبلية للقوة العربية المشتركة تشير إلى أرقام غير مسبوقة قد تصل إلى ملايين الجنود وآلاف الطائرات والسفن الحربية بما يضعها نظريًا ضمن أكبر الكيانات العسكرية على مستوى العالم.
الدور المصرى يشكل حجر الأساس فى هذا المشروع ليس فقط من حيث الحجم العددي للقوات، بل من حيث الخبرة العسكرية الممتدة والتجربة القتالية، والبنية المؤسسية للجيش المصرى. اللواء سمير فرج أوضح أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يعمل منذ عام 2015 على بلورة فكرة ناتو عربى يقوم على قيادة مركزية واضحة تضم رئيس أركان مصرى ونائبًا سعوديًا، ومجلس قيادة عسكري يمثل الدول المشاركة، بما يضمن وحدة القرار وسرعة التحرك بعيدًا عن البيروقراطية التي أضعفت محاولات سابقة للتكامل العسكري العربي.
وتشير التقديرات إلى أن مصر ستكون صاحبة أكبر مساهمة بشرية في المرحلة الأولى، بفرقة عسكرية لا تقل عن 20 ألف جندي، وهو ما يعكس الثقة الإقليمية في قدرة القاهرة على إدارة هذا النوع من التحالفات العسكرية المعقدة. في المقابل، تلعب السعودية دورًا محوريًا في الدعم السياسي والاقتصادي واللوجستي، بما يمنح المشروع توازنًا استراتيجيًا بين القوة العسكرية والقدرة التمويلية.
اقتصاديًا وجغرافيًا، لا يقل المشروع طموحًا عن بعده العسكري. فالدول المرشحة للانضمام تمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 13.5 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها قرابة 385 مليون نسمة، بينما يصل ناتجها المحلي الإجمالي إلى نحو 6 تريليونات دولار. هذه الكتلة السكانية والاقتصادية، إذا ما اقترنت بقوة عسكرية موحدة، ستجعل من العالم العربي لاعبًا دوليًا لا يمكن تجاهله في معادلات الأمن والطاقة والتجارة الدولية.
لكن رغم هذا الزخم، يظل نجاح المشروع مرهونًا بتجاوز تحديات تاريخية، في مقدمتها تباين الرؤى السياسية، واختلاف أولويات الأمن القومي بين الدول، فضلًا عن حساسية مسألة السيادة الوطنية. غير أن أنصار الفكرة يرون أن حجم المخاطر الحالية، واتساع رقعة الفوضى، قد يجعلان من هذه العقبات ثمنًا أقل كلفة من استمرار الوضع الراهن.
في ظل عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى، وتوازنات القوة الصلبة، تبدو القوة العسكرية العربية المشتركة أقرب إلى ضرورة استراتيجية منها إلى حلم مؤجل. فإما أن يتحول القلق الإقليمي إلى مشروع ردع جماعي يحمي الأمن العربي، أو يستمر الفراغ الاستراتيجي مفتوحًا على مزيد من التدخلات والصراعات التي تدفع المنطقة ثمنها وحدها.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج