” ميار وجيب القلب “

بقلم ـ طارق غريب 

في جيب المعطف القديم ، ذلك الذي ما زال

يحمل رائحة الشتاء القديم والدخان الخفيف

والعطر الذي كان يوضعه خلف أذنيه

قبل أن يخرج ليلتقيني

وجدت اليوم ما لم أكن أبحث عنه

وإنما هو الذي بحث عني

المعطف معلق على شماعة خشبية في ركن الغرفة

منذ سنوات لم أمسسه

كأنني أخشى أن أُعيد إليه الحياة فيُعيد إليّ الألم

كان المعطف رمادياً داكناً ، من صوف ثقيل

أطرافه مهترئة قليلاً من كثرة الاستعمال

وكماه واسعتان كأنهما كانتا تحتضنان ذراعيه دائماً

في الشتاء كان يرتديه فوق قميصه الأبيض

وفي الليالي الباردة كان يلفّني به

حين نخرج نتمشى على الكورنيش

يقول : البرد ده مش ليكِ ، ده للمعطف

اليوم ، في لحظة ضعف لا أعرف سببها ، مددت يدي إليه. شعرت بالقماش الثقيل تحت أصابعي

بارداً كجسد لم يُلمس منذ زمن

ثم انزلقت يدي تلقائياً نحو الجيب الأيسر الداخلي

الجيب الذي كان يسميه : جيب القلب

لأنه يقع تماماً فوق صدره حين يرتديه

حيث ينبض قلبه مباشرة تحت القماش

أخرجت الورقة الصغيرة أولاً

ما زالت مطوية مرتين بالطريقة نفسها التي

يطوي بها الرجال أوراقهم السرية : بإحكام وقلق

فتحتها ببطء ، كأنني أفتح جرحاً قديماً

خطه السريع ، المائل إلى اليسار كأنه يهرب من الورقة

يقول : ‘ ميار ، إن قرأتِ هذه الكلمات يوماً فاعلمي

أن الرحيل لم يكن اختياري ، الرحيل اختارني

لكن قلبي رفض أن يرحل معي ، بقي هنا ، في هذا الجيب

ينتظر أن تعودي فتُخرجيه من جديد

لا تعاتبيني ، عاتبي الزمن الذي سرقنا من بعضنا

وإن لم أعد ، فاعلمي أنني لم أذهب بعيداً

أنا هنا ، داخل القماش الذي يلامس صدرك الآن

طارق

تحت الورقة ، تذكرة السينما الممزقة من المنتصف

فيلم : الحياة السرية للكلمات

تلك الليلة التي جلسنا فيها في الصف الخلفي

وأنا أبكي على المشهد الأخير

وأنت تمسح دموعي بأطراف أصابعك

وتقول بهمس : الدموع دي مش ضعف يا ميار

دي اللغة الوحيدة اللي الحب بيفهمها بجد

مزقنا التذكرة معاً في الطريق إلى المنزل

كأننا نمزق الزمن نفسه

ونقول له : لن يأخذ منا هذه اللحظة

ثم الخصلة. خصلة صغيرة من شعري

مربوطة بخيط أسود رفيع كخيط الغزلان

متى أخذها ؟ لا أذكر

ربما في إحدى الليالي التي كان ينام فيها

ووجهه مدفون في شعري

فيسرق خصلة صغيرة كأنه يسرق جزءاً من روحي

ليحتفظ بها معه

الآن الخصلة باهتة ، فقدت لمعانها

لكن رائحة العطر القديم ما زالت عالقة فيها

رائحة المسك والخشب والشيء الذي لا يُسمى

وأخيراً ، ورقة أخرى أصغر، مكتوبة بحبر أزرق باهت

كأن الكلمات كانت تبكي وهي تُكتب

إذا مت قبل أن أراكِ مرة أخرى

فابحثي عني في الجيب الأيسر من هذا المعطف

ستجدين هناك كل ما تبقى مني

كلمة لم أقلها ، لمسة لم أعطها

وقبلة كنت أحتفظ بها لليوم الذي لن يأتي

لا تحزني . الحب لا يموت في الجيوب

يموت فقط إذا نسيناه

رفعت المعطف إلى وجهي ، شممته بعمق

رائحة الدخان القديم ، رائحة المطر

رائحة جلده الذي كان يعانقني كل ليلة

كل شيء عاد فجأة : صوته وهو يناديني

من غرفة المطبخ ‘ ضحكته حين يحكي نكتة سخيفة

يده التي كانت تمسك يدي تحت الطاولة في المقاهي

نظرته حين يقول لي

‘ أنتِ مش مجرد حبيبة ، أنتِ الوطن اللي ضاع مني ‘

جلست على الأرض ، بجانب الشماعة

المعطف ممدود أمامي كجسد حي

أدخلت يدي في الجيب مرة أخرى ، مرة بعد أخرى

كأنني أبحث عن شيء لم يُكتب بعد

لم أجد شيئاً جديداً

لكنني وجدت نفسي أبكي بصمت

دموعاً ساخنة تسقط على القماش

فتمتصها كأنها تعانقها

في جيب المعطف القديم ، لم أجد سوى أنت

أنت كله : الكلمات التي لم تُقل ، الوعود التي لم تُوف

الشوق الذي لم ينته

وأنا ، التي ظننت أنني نسيت

أدركت الآن أنني لم أنس شيئاً

أنا فقط كنت أخبئك في جيب قلبي

تماماً كما أخبأت أنت نفسك في جيب معطفك

غداً سأرتدي المعطف ، سأخرج به إلى الشارع

تحت المطر إن شئت ، وسأتركه مفتوحاً قليلاً من الأمام

حتى يلامس الهواء الجيب الأيسر

ربما يجدك النسيم

ربما يحمل إليك خبراً بأن ميار ما زالت تنتظر

وربما ، فقط ربما ، تعود

 

شاهد أيضاً

نائب محافظ الجيزة يتابع الجهود المبذولة لطرح الفرص الإستثمارية المتاحة بمركز ومدينة الواحات البحرية

كتب ـ سيد عبدالسميع  في أطار تكليفات السيد المهندس/ عادل النجار محافظ الجيزة بمتابعة خطة …