“منقوشات الروح”.

بقلم : سمراء النيل

لقد أصبتَ كبدَ الحقيقة، يا سيدي، وشرَّحتَ جراح الذاكرة. فليس النسيانُ أمرًا هيّنًا حين يتعلق الأمر بمنقوشات الروح. فهلكَ الرجلُ إن ظنَّ أن القلبَ يقوى على محو أربع نساء، والرابعةُ منهنّ أشدُّ البلاءِ وأقسى الامتحان.

​الأولى، هي التي ما تزالُ تقبعُ في خزانةِ الأمنيات؛ التي لم تُصافحها يداكَ قط. يصعُبُ عليك نسيانها لأنها بقيت مثاليةً كاملةً لم تُدنِّسها مرارةُ الواقع أو عيوبُ القرب. هي قصيدةٌ بقيت مُعلقةً، لم تُختتم، ولذا يظلُّ صدى جمالها في الروحِ أبديًا.

​أما الثانية، فهي التي كانت بينَ يديكَ كالعهدِ الراسخ، وفي قبضتكَ كـ اليقينِ الذي لا يُساوم، فما كان منك إلا أن اطمأننتَ، حتى رحلت. يصعُبُ عليك نسيانها لأنها جاءت كـ صدمةِ الاستفاقة؛ تُعلِّمُكَ أن لا ضمانَ في الحب، وأن أشدَّ ما تملُكُهُ قد يكونُ أسرعَ ما تفقده. هي ألمُ اليقين الذي تحوَّل إلى سراب.

​وتلك الثالثة، هي سيدةُ السكينة، التي حين سكنت قلبكَ أغنتكَ عن كلِّ سكنٍ سواها. هي التي منحتكَ الشعور بالاكتفاءِ المُطلق، فصار العالمُ بها وفيها. يصعُبُ عليك نسيانها لأن نسيانها هو نسيانُ أجملِ نسخةٍ من ذاتِك، تلك النسخةُ التي لا تحتاجُ إلى شيءٍ سوى وجودها لتشعرَ بالتمام.

​وهذهِ هي البلاءُ الأعظم؛ نوعٌ لا يُقارن. إنها المرأة الرابعة، التي تملُكُ زمامَها كله؛ لا تفتقرُ إلى المالِ ولا تُضيِّعُها الحاجةُ إلى الجاه. هي امرأةٌ كاملةُ الاستغناء، لا تحتاجُ منك شيئًا سوى حقيقتكَ الصادقة. فاحذر، إن وقعتَ معها؛ لأنها ستُلقي الضوءَ على كلِّ ثغرةٍ في روحك. احذر، لأنها لن تتأثرَ بتباهيِّكَ الزائف أو قوتك الموهومة. هي لا تسألُ عن مالك أو لقبك، بل تسألُ عن قيمةِ وجودِك ووزنِ عقلك. فاحذر جهلك وهلاككَ، لأنها مرآةٌ صافيةٌ تُريكَ ما لا تُريدُ أن تراه في نفسك، والهلاكُ هنا هو هلاكُ الغرورِ والادعاء، الذي لا مفرَّ منه أمام من لا تحتاج إلى شيء من دنياك.

 

شاهد أيضاً

وحـدكِ أنـتِ

بقلم ـ خالد أحمد ………….. أنا وعزلتي بغرفتي تصاحبنا في ليل طويل عنكِ تحدثنا .. …