لقد هجرت الجرذان منزلى

لقد هجرت الجرذان منزلى
قصة قصيرة
بقلم الأستاذ الأديب الشاعر / عبده مرقص عبد الملاك سلامة
الطابق الأول في منزلى عبارة عن صالة كبيرة بها مطبخ ، وحمام ، ولا يوجد به غرف ، فهو مليء بالكتب والأشياء القديمة التي لا نستخدمها ، وهو مهجور ، لكن أحياناً أصلح فيه بعض المواتير والمحركات ( مضخات مياه الرى و مولدات الكهرباء ) و هى هواية ورثتها عن أبى ( رحمه الله )و الذى كان يعمل ميكانيكى و ذلك لإن معظم زبائنه إرتبطوا بالمكان ,نظراً لأن والدى كأن يعاملهم معاملة يغلب عليها الود و العشرة و لم تكن الماديات ذات أهمية له و كذلك أنا ,بالإضافة لذلك إنهم كانوا يتلقون خدمة عالية الجودة ,كما إننى كنت أقابل بعض الأصدقاء الذين لا يرغبون فى الجلوس في غرف مغلقة ، ….و أستمريت على هذا المنوال حتى لاحظت
حالات هجرة غير منتظمة للفيران لهذا المكان ,فكان يحلو لى أن أضع لهم بقايا الطعام و أتسلى بمشاهدتى لهم و هم يأكلون و يلعبون و كنت أظن أنهم يأتون من أجل الطعام و الإستجمام لبعض الوقت و لكن على ما يبدو أنها خطة ممنهجة لإستهداف هذا المكان و غزوه و جعله مستعمرة لتلك المخلوقات الرقيقة و تبعاً لذلك بدأت جحافل من القطط تهاجم هذه المستعمرة و لكن هذا لم يستمر طويلاً فعلى ما يبدو أن هناك معاهدة سلام تمت بين الفريقين
إنزعجت زوجتي وتوترت لأنها لاحظت -كما لاحظت أنا -إن المكان أصبح (مستوصفاً ) مستشفى ولادة و داراً للرعاية وناديًا للقطط والفئران التي غزته ، وقد اندهشت لأنها رأت قططًا تلعب مع الفئران دون أي إحساس بالخوف أو رعب ،ووصلت العلاقة بين الفريقين الى تناول الطعام معاً و لشد ما أدهشنى أن أجد فأراً يزاحم قطاً بل و يجذب الطعام من بين مخالبه و القط يجفل و يبتعد عنه , و بعد الإنتها من الطعام يتم إقامة حفل سمر و كل فريق يستعرض مواهبه فى الغناء و الألعاب الرياضية ….
و لكم عنفتنى زوجتى وطلبت مني إيجاد طريقة للتخلص من هذه الحيوانات ، واقترحت بعض الخطط المذهلة لتلك المهمة ، والتي تتحدى قدراتى و غبائى ، ولتحفيزي أثنت على مهاراتي وذكائي ، ابتسمت لهاو طلبت منها الا تنزعج ,خاصة و إنهم بمنأى عن المكان الذى نقيم به ,فهم لا يتجاوزون حدود المكان الذى حلوا به .فأنذرتنى بأنه سيأتون على كتبى و يتلفوها و يتلفوا كل الأشياء بالمكان.
في الحقيقة ، ليس من أخلاقي أن أزعج المخلوقات المسالمة والحلوة ، لكنني اعتدت أن أمدهم بالطعام الذي لا نحتاج إليه وأستمتع بمراقبة سلوكهم ، وأجد أنه من المثير للاهتمام أن أرى جميعهم يتجمعون حول الطعام ، والبعض يلعب ، والبعض الآخر يغني ،و البعض يرقص ، أثناء تناول طعامهم ، إنه مشهد سحري لفيلم رومانسى

و رأيت أن هذه رسالة حياة للعالم ، أن جميع المخلوقات يمكنها العيش بسلام عندما تجد الطعام ،و أن بعض الحيوانات الشرسة يمكن تتنازل عن طبيعتها عند الإحساس بالشبع
كانت زوجتي غاضبة للغاية وقلقة و متذمرة ، وأخبرتني أنها لم تر أي رد فعل من جانبي ،بعد ما وعدتها بإيجاد حل مناسب لا يتنافى مع أخلاقى وطلبت منها أن تنتظر و سترى كيف أننى أجبت مطلبها كغيره
وتم احالتي الى التقاعد وصادف ذلك الوباء البغيض الذي حل بنا (كورونا وعائلته) حفظنا الله.
و أياكم والعالم أجمع منه و جنبنا تبعاته ، وهذا نتج عنه انفصام في العلاقات الإنسانية وجروح وندوب لا تلتئم ، وهيمن الخوف من التواصل بين الأصدقاء و من الاندماج الأسري والعائلي و بهتت صلة الرحم ما لم تكن إندثرت ، ونتج عن ذلك التباعد الإجتماعى ، واختفت العادات والقيم الجميلة ، وكشفت الكمامة مدى الدمامة في الوجوه التي أحببناها وعشقناها و عشنا بها و معها و من أجلها
مرت الأيام ، ونادرا ما أذهب إلى الطابق الأول ، بسبب همومي ومشاكلي اليومية.
و كنت كلما أشتد بى الشوق لتلك الأيام ,نزلت للدور الأرضى – بلا هدف – لعلى أجد ما يجذبنى للبقاء و أقف أمام الدولاب المكتظ بباقى كتب مكتبتى و التى صدر أمر بالتخلص منها -بحجة – الحاجة للفراغ ,كما أن الشبكة العنكبوتية بها كل ما يخطر و لا يخطر على بال من كتب و موسوعات و مجلات و القراءة الألكترونية أسهل و تعطى فرصة للمتصفح ان يكبر حجم الخط و يصغره ,كما إنها تعفى القارئ من مشقة البحث عن كتاب بين الكتب الورقية ,بل فى الكتاب نفسه مجرد ان تكتب كلمة وردت به تجد محرك البحث فتح أمامك الصفحة التى تحتويها بالإضافة الى إنه يمكن القراءة و أنت بين أفراد الأسرة , كل هذه ضغوط قد تكون مقبولة لحد ما و لكن من مارس على هذه الضغوط فاته أن بينى و بين محتويات مكتبتى عمر عشته معها و ذكريات لا تنسى و أن مجرد لمس كتاب منها يسترجع شريط الدكريات و لكن لم أملك سوى الإذعان لرغبة الجميع و بذلت جهداً بالغاً للإحتفاظ بمجموعة مختارة تذكرنى بنفسى ,
و ذات يوم
أتت زوجتى مبتسمة بصينية شاي وقبلتني ، وقالت لي إنها فخورة بي لأنني أستطيع حل جميع المشاكل ،
سألتني كيف تمكنت من التخلص من تلك الحيوانات بدون مصائد ولا سموم وبدون قتل أي منها ،
ومع ذلك ، هجرت جميع الفئران والقطط منزلنا ،
ابتسمت إبتسامة مريرة و فى حلقى غصة ،و فى قلبى لوعة و حزن دفين و حولت وجهى عنها حتى لا تلمح الدموع الحائرة بين مقلتى ,فقد تذكرت موقفاً عندما سئل أحدهم عن حاله فأجاب ::(إن الجرذان هجرت منزلى )
و مع ذلك أصرت زوجتى على معرفة الحيلة أو الخدعة السحرية التى جعلت الفيران تهجر منزلنا
و لكن دون جدوى
عبده مرقص عبد الملاك سلامة

شاهد أيضاً

يمكن نشوف القمر

يمكن نشوف القمر بقلم / صالح منصور جربت كل الامك والحسرة والندم جربت النصره والخذلان …