لحظة التوازن الهش فى الشرق الأوسط

كتب/ أيمن بحر
ما يجرى فى الشرق الأوسط اليوم لا يمكن اختزاله فى حشود عسكرية ولا فى مفاوضات تبدو على السطح وكأنها مسرح سياسي ولا حتى فى سؤال تقليدى عن احتمال اندلاع الحرب السؤال الأهم الذى يتوارى خلف الضجيج هو أين تدار هذه المواجهة فعليا
نحن أمام مشهد مزدوج شديد الحساسية عسكرة كاملة على السطح وإدارة باردة فى العمق وهنا تتجسد لحظة الخداع الكبرى
هذه اللحظة لا تشبه أى تمهيد لحرب عرفته المنطقة سابقا فكل الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة إذا اندلعت فلن تكون قابلة للسيطرة ومع ذلك يقترب الجميع من حافتها دون أن يريد أحد أن يكون صاحب الطلقة الأولى الولايات المتحدة تحشد لأنها تشعر بتآكل الردع النفسى وإيران ترفع جاهزيتها لأنها تعلم أن أي ضربة محتملة قد تستهدف القدرة لا النظام وإسرائيل تضغط لأنها ترى أن البيئة الإقليمية لم تعد تقبل الهيمنة الأحادية كما في السابق
لكن رغم التصعيد لا يبدو أن هناك طرفا مستعدا لتحمل مسؤولية إشعال المواجهة الكبرى
المفاوضات التي جرت لم تكن فشلا كما يتصور البعض بل أدت وظيفة مختلفة كانت أداة لإدارة الوقت ومنصة لإعادة التموضع واشنطن استفادت منها لتعزيز حضورها العسكري وتحريك القطع البحرية واختبار ردود الفعل الإقليمية وطهران استخدمتها لإعلان الجاهزية القصوى وإعادة ترتيب دوائر القرار وتهيئة الداخل نفسيا وسياسيا وعندما أغلقت طهران باب التفاوض لم يكن ذلك انسحابا بل كان إشارة إلى أن هامش المناورة يضيق وأن المرحلة التالية إن جاءت ستكون مختلفة
في الخلفية تبرز دروس بعيدة جغرافيا لكنها قريبة دلالة تجربة فيتنام مع الولايات المتحدة تقدم تذكيرا بأن المصالح في السياسة الدولية أكثر ثباتا من التحالفات وأن الضمانات قد تتبدل بتبدل الإدارات والظروف الرسالة التي تلتقطها العواصم الإقليمية واضحة من يربط أمنه كليا بقوة خارجية يضع مصيره في معادلات لا يملك التحكم بها
وإذا اندلعت المواجهة فلن تكون الصدمة في الضربة الأولى بل في ما يليها استنزاف صاروخي متبادل يصعب تعويضه بسرعة دفاعات جوية تتعرض لاختبارات قاسية اقتصاد عالمي هش لا يحتمل إغلاق ممرات استراتيجية أو قفزات حادة في أسعار الطاقة لذلك نرى صفقات دفاع أكثر مما نرى خططا لنصر حاسم ونشهد تحصين قواعد أكثر مما نرى خرائط إنهاء معركة الردع يدار بحذر والحرب تظل معلقة
الخليج يقف في قلب المعادلة دون أن يطلق رصاصة واحدة فهو ليس طرفا مباشرا في الاشتباك لكنه سيكون أول من يدفع ثمن نتائجه أي تصعيد واسع قد يهز أسواق النفط ويضرب حركة التجارة ويفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة ولهذا تتجنب دول الإقليم أن تكون منصة انطلاق لأي مواجهة ليس بدافع الخوف بل إدراكا لحجم الفاتورة المحتملة
الخلاصة أننا لا نعيش لحظة ما قبل حرب تقليدية بل نعيش مرحلة ما قبل الاعتراف الجماعى بأن الحرب إذا اشتعلت لن يمكن التحكم بمسارها وأن أي صفقة لا يمكن فرضها بالقوة وأن موازين الهيمنة لم تعد قرارا أحاديا بيد طرف واحد التحشيد مستمر والتهديدات تتصاعد لكن القرار النهائي معلق لأن كلفته باتت أثقل من عوائده
إنها لحظة توازن هش قد يصمد بفعل الحسابات الدقيقة وقد ينهار بخطأ تقدير واحد والأخطر أن جميع الأطراف تدرك ذلك ومع ذلك تواصل السير على الحافة فى اختبار مفتوح للأعصاب قبل أن يكون اختبارا للأسلحة
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج