يوسف حسن، يكتب-
تشهد الساحة اللبنانية تطورًا خطيرًا يُهدّد بنية الدولة الهشة، ويُعيد إلى الأذهان مشاهد الانقسام والاحتراب الأهلي، بعدما صادقت الحكومة اللبنانية – شكليًا – على ما يُسمّى بـ”خطة نزع سلاح حزب الله”، التي جاءت بإملاء مباشر من المبعوث الأميركي “تام باراك”، في ظلّ ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
الخطة، التي قُدّمت في تموز وآب 2025، لا تُخفي هدفها الأساسي: تفكيك محور المقاومة في لبنان، عبر نزع السلاح الثقيل من حزب الله، مقابل وعود إسرائيلية هزيلة بالانسحاب من ثلاث فقط من النقاط الخمس المحتلة جنوبًا، مع اشتراط آلية تحكيم منحازة تُعاقب لبنان في حال أي خرق للتهدئة من طرف المقاومة، بينما تكتفي بـ”الإدانة” لإسرائيل إن بادرت بالتصعيد، رغم سجلها الدموي في السنوات الأخيرة.
لكن الأخطر في هذه الخطة ليس مضمونها فقط، بل الطريقة التي تم تمريرها بها، والتي تُعدّ نسفًا صريحًا لميثاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1989، والذي نصّ بوضوح على أن أي قرار حكومي لا يُمكن اعتباره شرعيًا دون حضور جميع الطوائف الرئيسية في مجلس الوزراء.
وبناءً عليه، فإن انسحاب وزراء شيعة وآخرين متحالفين مع حزب الله قبل التصويت، يُسقط عن القرار شرعيته الميثاقية، ويجعله فاقدًا لأي قيمة قانونية أو دستورية، بل ويُصنّف كعمل استفزازي يُهدّد السلم الأهلي.
الأزمة لا تقف عند حدّ التوتر السياسي، بل تفتح الباب أمام احتمالات انفجار داخلي، خاصة مع تكليف الجيش اللبناني – الذي يضمّ آلاف الجنود المتعاطفين مع المقاومة – بتنفيذ الخطة خلال الأشهر القادمة. فهل يستطيع الجيش، بهذه التركيبة، تنفيذ قرار يعلم سلفًا أنه سيُفتّت صفوفه من الداخل؟ أم أن المقصود هو دفع لبنان نحو تدخل خارجي – أميركي أو “إسرائيلي” – بحجّة فرض الاستقرار، ما يعني الدخول في دوامة حرب أهلية أو حتى تفتيت لبنان ككيان؟
من الواضح أن هذا القرار الخطير لا يحظى بإجماع داخلي، بل يواجه برفض شعبي ورسمي واسع. فقد وصفه الرئيس الأسبق إميل لحود بأنه “خيانة وطنية في زمن الحرب”، ودعا إلى محاكمة رئيس الحكومة نواف سلام. بينما أكدت أطراف رسمية أخرى، كقائد الجيش عبر رسائل غير مباشرة، أنهم لا ينوون استخدام القوة ضد حزب الله، ما يعكس حجم التناقض والانقسام داخل مؤسسات الدولة.
المشهد الراهن يُنذر بمرحلة شديدة الخطورة، تتجاوز مجرّد جدل سياسي حول دور المقاومة، لتصل إلى حدود تهديد وحدة لبنان واستقراره. إن تجاهل ميثاق الطائف والسعي لفرض قرارات غير توافقية، قد يعيد فتح جراح الحرب الأهلية، ويُعيد لبنان إلى زمن الدم والانقسام.
إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى قرارات متهورة تُكتب في السفارات، بل إلى عودة جدّية لمنطق الشراكة والتفاهم الوطني، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية والمشاريع الهادفة إلى تفكيك ما تبقّى من هذا البلد الصغير – الكبير بمقاومته وتضحياته.