مايسة إمام
كعنقود عنب طاب غراسه ونضج حتى التحمت حباته كبنيان مرصوص ،التف الأبناء الثلاثة حول أبيهم في جلستهم المعتادة يتسامرون ، ويفرغ كل منهم مابحفيظته من من أحداث مرت ومسرات فرت ، وعثرات في طريقه قفزت ، وكيف ليلها أضناهم ونور الصبح جرى بهم في دروب الحياة.
تستقبل أحاديثهم المتباينة المسالك ابتسامه ودودة هادئة نفذت تتحس الخطى بوجه الأب المسن وشقت لها خطوطا بارزة تنافس خطوط المشيب التي سبقتها فتجعل وجهه ينطق بالبشاشة ، في حين تتعلق عيناه تعلق من يودع يومه ولا يدري إن كان سيحظى بلقاءه غدا أم لا
أكبر الأبناء يعمل بالتجارة وله بها صولات وجولات يسدد سهامه فيها إلي حيث نقطة الفوز وقدحباه الله بقدر كبير من الثراء المتنامي بشكل تلقائي بعد يوم فيدفعه ذلك تلقائيا أن يضاعف من مجهوده ويتجاوز حدود طموحاته لاهثا ليحقق المزيد والمزيد من الثروة
والثاني صار في زمن قياسي علما من أعلام القانون ، تصدح باسمه قاعات المحاكم ويفخر بنفسه كل طارق لبابه ، لشهرته التي بلغت عنان السماء وتضاعف أجره عمن سواه في نفس المجال مما دفع طموحه دفعا قويا للدخول مضمار السبق للفوز بالمنصب وكرسي السلطة
أما أصغر الأبناء فقد وجد ضالته في مجال آخر رأى فيه حصان السباق الرابح والأجدر بالاستثمار وهو الاستثمار البشري فعمد لتأسيس سلسلة مدارس للتعليم الخاص و للغات مرديا ثوب رجل العلم والتعليم وهو رجل الاستثمار الصميم
تلك المدارس التي يطلق عليها مدارس متخصصة ويقف على أعتابها الأباء والأمهات كخطاب لجميلة الجميلات يطلبون ودها ورضاها وهي تنتقي منهم من تشاء وتلقي بمن تشاء ،
غرق الجميع في صخب حيواتهم بصفقاتها وقضاياهاواستثمارتها وكل منهم يسرد معاناته وانكساراته تارة و وتارة أخرى يروي انتصاراته بفخر وانتشاء والأب ينصت ويبتسم في هدوء
ثم تحرك ببطء خارج الغرفة متجها نحو حديقة المنزل حيث يوجد صخب من نوع آخر ، صخب برئ محبب لقلبه وهو صخب الأحفاد
خرج دون أن يشعر أحدهم به فأحاديثهم تأخذهم لأبعد ما يجعلهم يلتفتون لما دونها ولصوت السكون الذي استعمر المكان حولهم بعد أن كان يمتلئ بضجيج أطفالهم وصخب لعبهم
انتبهوا فجأة لعدم وجود والدهم واختفاء الأطفال من حديقة المنزل فأصابتهم الدهشة وهموا للبحث عنهم
مر الوقت ثقيلا والوجوم يسيطر على الجميع حتى قطع صوت الصمت رنين الهاتف الخلوي لأحدهم يحمل صوت والدهم الرخيم يخبره أنه بصحبة الأطفال في محل اللعب القريب من المنزل ويطلب منهم أن يحضروا إليهم
امتزجت دهشة بالضيق لدىك الأبناء الثلاثة من تصرف والدهم ولكنهم توجهوا على الفور لمحل اللعب ليجدوا والدهم قد جلس بأحد أركان المحل وقد زادت ابتسامته إشراقا وعيناه لمعانا وهو يتابع أحفاده كالفراشات المحلقة ينتشرون بالمكان يرتشفون من كل رف لعبة ، و يتقافزون بين الأرفف في سعادة وصوت ضحكاتهم يملأ صدر الجد انشراحا وفرحة خاصة حين يطلبون منه شراء لعبة ما و كل منهم يسابق الآخر قائلا:
هاهي ياجدي إنها أجمل لعبةبين الألعاب أحضرها لي
ثم يليه آخر بلعبة أخرى ويقول بل هذه أجمل ياجدي
ولا تمض لحظة حتى تقع عيناهما على لعب أخرى بركن آخر فينطلقا إليها تاركين مامعهم
يتكرر الموقف مرات ومرات يختارون اللعب ويتشبثون بها ثم لا يلبثوا أن يتركونها متجهين لغيرها والجد يضحك ويضحك ويعدهم أنه سيشتري لكل منهم مايريد
حتى زاد تأفف الأبناء الثلاثة وضاقوا ذرعا بذلك العبث الطفولي الهزلي وضياع الوقت فيه وهموا بتعنيف الأحفاد على صنيعهم إلا أن نظرة ذات مغزى من الجد وقفت حائلا دون ذلك .
وبعد فترة ليس بالقصيرة تعددت فيها الاختيارات حول اللعب وأنواعها وألوانها وتجربة هذا وذاك وتلك وعلا صوت النقاش بين الأطفال حول إختيار أجمل اللعب وتجربة كل منها، لكنهم لم يصلوا لاختيار يرضيهم ، بل وشعروا بالإرهاق والتعب مع كثرة الجري والحركة والصعود والهبوط بين الأرفف والأركان وانتهى بهم المطاف بين أحضان جدهم يقولون :
لقد تعبنا ياجدي لا نريد لعبا هيا نشتري بعض الحلوى ونذهب للبيت لنأكلها معا وتلعب معنا وتحكي لنا حكاية من حكاياتك المسلية الجميلة