كتب : سمير ألحيان إبن الحسين
صناديق الانتخابات، والأصوات…
هل تظن فعلًا أن الناس يختارون؟
ما يُسمّى اختيارًا ليس سوى مشهدٍ مُتقن الإخراج.
القرار، في جوهره، يُحسم قبل أن تُفتح الصناديق، وقبل أن تُرفع الشعارات، وقبل أن يُقنِعوا الناس بأن أصواتهم تصنع المصير.
الانتخابات ليست أداة حكمٍ بقدر ما هي أداة قياس.
قياس لمن؟
لرأس الهرم، للمنظومة التي لا تظهر على الملصقات، لكنها تقرأ الاتجاهات بدقة باردة.
الأصوات لا تُفرز الفائز بقدر ما تكشف النفوذ:
من له جمهور؟
من يحرّك الغضب؟
من يمكن توجيهه؟
ومن يمكن شراؤه، أو احتواؤه، أو استخدامه عند الحاجة؟
وحين تعرف المنظومة أن شخصًا ما يمكن أن يكون نافعًا لمشروعها—طوعًا أو كرهًا—
تبدأ عملية النفخ البطيئة:
اليوم منصّة،
غدًا صورة،
بعده شرعية،
ثم موقع… عاجلًا أو آجلًا.
ليس مطلوبًا أن يكون الحليف نظيفًا،
ولا أن يكون صادقًا،
ولا حتى أن يكون عاقلًا.
يكفي أن يكون قابلًا للاستثمار.
ولهذا لا فرق كبيرً بين سياسي متديّن، أو زعيم عصابة، أو تاجر فوضى.
إذا كان له نفوذ، يمكن تضخيمه.
إذا كان له أتباع، يمكن توجيهه.
وإذا كان له غضب، يمكن توظيفه.
الأغرب أن الصداقة ليست شرطًا.
أحيانًا يكون العدو الظاهر أكثر ربحًا من الصديق المعلن.
العداوة تُحرّك الجماهير،
والصراع يخلق سوقًا،
والتوتر يُبقي الجميع محتاجًا إلى “الوسيط”.
هكذا تفكّر المنظومة الاقتصادية العالمية:
لا تبحث عن الحق،
ولا عن الاستقرار،
ولا عن الانسجام،
بل عن الفائدة.
من يربح؟
من يُستعمل؟
ومن يمكن استبداله عند انتهاء صلاحيته؟
أما الناس…
فدورهم أن يصفّقوا للمشهد،
ويصدّقوا أن الستارة إذا أُغلقت
فإن المسرحية انتهت.
فما بين شعبٍ يركض…
يركض بلا بوصلة،
بلا سؤال،
بلا ذاكرة.
يركض خلف وميض شاشة،
خلف اسمٍ عابر،
خلف ترندٍ يُولد ميتًا…
ثم يُدفن بلا عزاء.
وفي الجهة الأخرى من العالم،
نخبة لا تركض.
لا تلهث.
تجلس بهدوء قاتل.
أصابعها ثابتة،
أنفاسها محسوبة،
وأمامها خرائط…
ليست للتأمل،
بل لإعادة تشكيل المصير.
في لحظةٍ ما،
كانت الشوارع تضجّ بالهتاف،
لا لأجل فكرة،
ولا لأجل كرامة،
ولا لأجل مستقبل،
بل لأجل صورة…
فيديو…
مشاهير الرقص واللعب.
يوتيوبر.تكتوكر وغيرها من التفاهات
وفي اللحظة نفسها،
كانت الأبواب تُغلق في واشنطن ولندن،
يُخفض الصوت،
تُطفأ الكاميرات،
وتُفتح الخرائط.
هناك…
تُتخذ قرارات لا تعود.
قرارات تغيّر مصير شعوبٍ كاملة
بجملةٍ واحدة،
بتوقيعٍ واحد،
بصفقةٍ واحدة.
مشهدان متوازيان…
لا يفصل بينهما بحر،
ولا قارة،
بل يفصل بينهما شيء أخطر:
الوعي.
لسنا نسخر من الشعوب…
نحن نرثيها.
نرثي أممًا أُنهكت بالتفاصيل الصغيرة
بينما تُنهب منها التفاصيل الكبرى.
هناك،
تُدار الحروب،
تُرسم الحدود،
تُحدَّد أسعار الطاقة،
ويُقرر من يعيش…
ومن يُمحى.
وهنا،
نعدّ المشاهدات،
نختلف على فضيحة،
ونتصارع حول وهم.
وعندما تجتمع أسماء
مثل ماركو روبيو،
جاريد كوشنير،
ستيف ويتكوف،
وتوني بلير…
فالأمر ليس صدفة،
ولا بروتوكولًا،
ولا لقاء مجاملات.
إنه إعلان صامت
أن العالم لم يعد يُدار في العلن،
وأن البرلمانات صارت مسارح،
بينما القرار الحقيقي
يُصنع في غرفٍ بلا نوافذ،
بمنطق الصفقة لا المبدأ،
وبلغة المصالح لا القيم.
هاته ليست أسماء عابرة…
هاته سيرٌ كُتبت بالدم.
من العراق إلى فلسطين،
من اليمن إلى السودان،
من كردستان إلى أفغانستان،
من الحصار إلى الخراب،
من الجوع إلى المرض،
من القتل الجماعي
إلى شرعنة الأسلحة المحرّمة
والدمار المباح.
مدرسة واحدة…
ترى العالم ساحة صيد،
وترى الشعوب أرقامًا
قابلة للإزاحة.
والسؤال لا يصرخ…
بل يهمس بوجع:
أين نحن؟
أين موقعنا
بينما يُعاد ترتيب الكوكب
فوق رؤوسنا؟
في شوارع البلدان الشرقية المنهكة،
هناك من يركض خلف الكاميرا.
وفي العواصم الكبرى،
وهناك من يركض خلف الخرائط.
والفرق بين الركضين…
هو الفرق بين
أمة تُشاهد التاريخ،
وأمة تصنعه.
الذنب ليس ذنب الجماهير وحدها،
بل ذنب نخبٍ
أفرغت السياسة من معناها،
والثقافة من دورها،
والإعلام من روحه.
حين يغيب المشروع،
يبحث الناس عن تسلية.
وحين يُغلق أفق المستقبل،
يصبح الهروب
وسيلة بقاء.
العالم اليوم
يُدار من خلف زجاجٍ معتم،
ونحن نقف خارجه،
نطرق الباب…
ولا أحد يسمع.
ليست المشكلة في لاعب او راقص او يوتيوبرٍ
يزور مدينة،
ولا في سياسيٍ
يجتمع في عاصمة.
المشكلة في أمةٍ
انشغلت بالهامش
بينما المتن
يُعاد كتابته دونها.
ومن لا يصنع موقعه في العالم،
سيُفرض عليه موقع…
بالقوة.
هذه ليست قصة ترفيه.
هذه معركة وعي.
إما أن نفهم
كيف يُدار العالم،
أو نظل
أدوات
يُدار بها العالم.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج