سوانح /
السعيد عبد العاطي مبارك الفايد – مصر
===============
((( أسلوب يا ليتني – في القرآن الكريم ٠٠ !! )))
عزيزي الصديق و القاريء الكريم تظل لغتنا العربية تتميز بالأساليب الخبرية و الإنشائية بجانب الدلالات الصوتية وجماليات اللفظ و المعنى ، و لا سيما في القرآن الكريم أيضا نجد إعجازا بيانيا فقد ورد في القرآن الكريم أسلوب التمني في ( يا ليتني – ثماني مرات ) ، و الحديث النبوي الشريف ، و في شعر العرب ، و هذا إن دل فإنما يدل على أهمية و مكانة هذا الأسلوب في التعبير بين المرسل و المتلقي معا في لغتنا العربية لغة الضاد الشاعرة هكذا ٠
فما أجمل أن نعيش ساعة مع علوم اللغة العربية لغة القرآن الكريم التي شرفها الله عز وجل بأن نزل بلسانها المبين ٠
و أن نلاحظ هذا النوع من الأساليب في الآيات الكريمة كي نربي فينا ملكة التذوق و التدبر في هذا الكتاب المعجز قولا و عملا ٠
نعم إن المتأمل في كتاب الله العزيز – القرآن – يجد أن أساليب إنشائية وخبرية تزين اللغة و تحقق المقاصد من وراء هذا الاستعمال ٠٠
و أسلوب ( التمني ) له مردود حسن وواقع طيب في النفوس بمثابة الحلم و الفوز الكبير و تحقيق النتائج و المستهدف من وراء كل ذلك ٠
و يا ليتني تتساوى مع لو كلها تتمنى الخير و الإقرار لا الاعتراض و التمرد ٠
* يا ليتني :
————–
يا : : حَرْفٌ للتَّنْبيهِ المقْتَرِنِ بالنُّدْبَةِ أوْ التَّحَسُّرِ ٠
لَيْتَ: حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ يُفيدُ التَّمَنّي ويَتَعَلَّقُ غالِباً بالمُسْتَحيلِ ٠
التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة “ليت” :
= يقال: لاته عن كذا ٠ يليته: صرفه عنه، ونقصه حقال له، ليتا.
قال تعالى: لا يلتكم من أعمالكم شيئا [الحجرات/14] أي: لا ينقصكم من أعمالكم، لات وألات بمعنى نقص، وأصله: رد الليت، أي: صفحة العنق.
وليت: طمع وتمن.
قال تعالى: ليتني لم أتخذ فلانا خليلا [الفرقان/28]، ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا [النبأ/40]، يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا [الفرقان/27] ٠
وقول الشاعر:
وليلة ذات دجى سريت * ولم يلتني عن سراها ليست (البيت لرؤية بن العجاج، وهو في اللسان (ليت) ؛ والمجمل معناه: لم يصرفني عنه
قولي: ليته كان كذا.
وأعرب (ليت) ههنا فجعله اسما، كقول الآخر:
إن ليتا وإن لوا عناء (هذا عجز بيت لأبي زبيد الطائي، وصدره: ليس شعري وأين مني ليت من أبيات له مطلعها:
ولقد مت غير أني حي * يوم بانت بودها خنساء ٠
وقيل:
معناه لم يلتني عن هواها لائت.
أي: صارف، فوضع المصدر موضع اسم الفاعل.
فإن (ليت) حرف ناسخ يفيد التمني، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة المطهرة وفي كلام العرب.
لاحسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جاره فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل.
وقال عمر الفاروق رضي الله عنه :
يا ليت أم عمر لم تلد عمر .
فحكم استعمال (ليت) حسب نوع التمني إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، ولم نقف فيما وقفنا عليه أن (ليت) تأتي بمعنى (لو) التي تفتح عمل الشيطان، ولكن الذي ورد أن (لو) تأتي بمعنى (ليت) وتفيد التمنى.
كقول النبي صلى الله عليه وسلم:
” لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان ” .
وقوله تعالى:
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ {هود: 80}.
ومن هنا جاء التحذير الإلهي من:
“أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ”.
( سورة الزمر: الآية 55).
إنها حسرة كشف عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال:
“لا يَدخلُ الجنةَ أحدٌ إلَّا أُرِيَ مَقعدَهُ من النارِ: لوْ أساءَ لِيزدادَ شُكرًا، ولا يَدخلُ النارَ أحدٌ إلَّا أُرِيَ مَقعدَهُ من الجنةِ لوْ أحسَنَ ؛ لِيكونَ عليه حسرةً ” ٠
(“صحيح الجامع”).
ومن هنا جاء ندم الصالحين في الدنيا على فوات الطاعة، إذ رُوي أن حاتم الأصم، فاتته صلاة العصر في جماعة بالمسجد، فصلاها في البيت، ثم جعل يبكي؛ برغم أنها فاتته.. ساعة الاحتضار ! ٠
” إحياء علوم الدين”
فلله دَرُّ أقوام آثروا العمل لحياتهم الحقيقية في الآخرة، انطلاقًا من صلاح دنياهم الفانية، وأقبلوا على طاعة ربهم ليلًا ونهارًا، مبللين وجوههم بالدموع: توبةً واستغفارًا.
* الخلاصة :
========
إن الله تعالى ذكر كلمة «ليت» فى القرآن الكريم ثمانى مرات، مضيفا أن كلمة ليت تدل على التمنى والتأسف والتحسر على ما فات ولا يستحيل تحقيقه ٠
فقد أخبر الله عز وجل أن الإنسان يتمنى أن يعود بعد الموت كي يعمل صالحا ٠٠
لكن الله تعالى يعلم فيقول كلا ٠٠
حيث لو ردوا لعادوا إلى فتنة الحياة كما كانوا أول عهد من قبل ٠
و قد ورد هذا الأسلوب
في عدة مواضع :
الموضع الأول الذى ذكر فيه «ليت» فى القرآن فى سورة النبأ فى قوله تعالى:
«يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا»، والثانية:
« يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي»
والثالثة:
« يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ»
والرابعة:
« يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» والخامسة:
« لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا»
والسادسة:
« يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا» والسابعة:
« يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا» والثامنة:
« أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا».
* و إليكم هذا التفسير المجمل لمعاني لتلك التعبير المبسط في ورود ( يا ليتني ) طمعا في الأمنيات كما في القرآن الكريم على النحو التالي :
– ياليتني كنت ترابا
يقول الله تعالى في سورة النبأ (آية: 40): {إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}، حيث جاء في تفسير السعدي ان الكافر يتمنى الموت من شدة الحسرة والندم.
– ياليتني قدمت لحياتي
يقول الله تعالى في سورة الفجر (آية: 24): {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} حيث جاء في التفسير أن الإنسان يقول متحسرًا على ما فرط في جنب الله: { يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } الدائمة الباقية، عملًا صالحًا.
– ياليتني لم أوت كتابيه
يقول الله تعالى في سورة الحاقة (آية: 25): {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}، حيث جاء في تفسير هذه الآية أن أهل الشقاء يعطون كتب أعمالهم السيئة بشمالهم تمييزا لهم وخزيا وعارا وفضيحة، فيقول أحدهم من الهم والغم والخزي { يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ } لأنه يبشر بدخول النار والخسارة الأبدية.
– ياليتني أتخذت مع الرسول سبيلا
يقول الله تعالى في سورة الفرقان (آية: 27): {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}، حيث جاء في تفسير هذه الآية الكريمة { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ } بشركه وكفره وتكذيبه للرسل { عَلَى يَدَيْهِ } تأسفا وتحسرا وحزنا وأسفا.
{ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا } أي طريقا بالإيمان به وتصديقه واتباعه.
– ياليتني لم اتخذ فلانا خليلا
يقول الله تعالى في سورة الفرقان (آية: 28): {يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}، حيث حاء في التفسير { يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا } وهو الشيطان الإنسي أو الجني، { خَلِيلًا } أي: حبيبا.
– ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما
يقول الله تعالى في سورة النساء (آية: 73): { وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أخبر الله تعالى عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – { وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ } أي:
نصر وغنيمة { لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } أي: يتمنى أنه حاضر لينال من المغانم، ليس له رغبة ولا قصد في غير ذلك، كأنه ليس منكم يا معشر المؤمنين ولا بينكم وبينه المودة الإيمانية التي من مقتضاها أن المؤمنين مشتركون في جميع مصالحهم ودفع مضارهم، يفرحون بحصولها ولو على يد غيرهم من إخوانهم المؤمنين ويألمون بفقدها، ويسعون جميعا في كل أمر يصلحون به دينهم ودنياهم، فهذا الذي يتمنى الدنيا فقط، ليست معه الروح الإيمانية المذكورة.
– ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا
يقول الله تعالى في سورة الأحزاب (آية: 66):
{ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}، حيث جاء في التفسير أن الكافرين { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } فيذوقون حرها، ويشتد عليهم أمرها، ويتحسرون على ما أسلفوا.
{ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ } فسلمنا من هذا العذاب، واستحققنا، كالمطيعين، جزيل الثواب.
ولكن أمنية فات وقتها، فلم تفدهم إلا حسرة وندمًا، وهمًا، وغمًا، وألمًا.
توكل على الله واعمل في دنياك كأنك تموت غدا، واجتهد قبل أن يأتي يوما لا ينفع فيه الندم ! ٠
هذه كانت بعض السوانح حول هذا الأسلوب ( يا ليتني ) في القرآن الكريم ومدى الانتقال في كل سورة تم ذكرها آنفا للتعرف على جمال اللغة و البيان و الفقه دائما ٠