ساعة مع الأدب الأندلسي
بقلم / السعيد عبد العاطي مبارك الفايد – مصر
********************
بأربع فاقت الأمصار قرطبة … منهن قنطرة الوادي وجامعها
هاتان ثنتان والزهراء ثالثة … والعلم أعظم شيء وهو رابعها ٠
” ابن عطية ”
***
جادك الغيث إذا الغيث همىيا زمان الوصل بالأندلسِلم يكن وصلك إلا حلمافي الكرى أو خلسة المختلسِ ٠
( موشح : ابن الخطيب )
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
في البداية نعرف أن الأندلس هى شبه الجزيرة الإيبيرية في إسبانيا و حاضرتها قرطبة ٠
و ظل حكم المسلمين فيها زهاء ثمانية قرون ممتدة من الدولة إلى عصر ملوك الطوائف حتى سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في الغرب ٠٠
و الأدب الأندلسي هنا مع تلك عهد المسمى بالحكم الإسلامي من 711 إلى 1492 م.
و من ثم ينقسم التاريخ الإسلامي في إسبانيا إلى فترتين:
————————-
* فترة المد :
وتبدأ بفتح الأندلس حتى عصر ملوك الطوائف، وهي التي حكم فيها أمراء وحكام من المشرق أو الأندلس نفسها ٠
* وفترة الجزر :
وهي التي حكمت الأندلس فيها دول من شمال أفريقيا، وهما دولتا المرابطين والموحدين.
و لذا نجد في مطالعاتنا للأدب الأندلسي من خلال هذه الكتب المعاصرة التي نتابع فيها دراسيا خط سير الأدب الأندلسي مثل :
= الادب الاندلسي : موضوعاته وفنونه / د٠ مصطفى الشكعة ٠
= الأدب الاندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة / د٠ أحمد هيكل ٠
= الأدب الأندلسي(عصر الإمارات) لإحسان عباس٠
وكان الفاتحون لإسبانيا من العرب لا يعرفون من الثقافة العربية إلا القرآن الكريم وعلومه، والشعر الغنائي المشرقي الذي كان ذائعاً أواخر القرن الأول الهجري.
وكذلك كان شعر هؤلاء الفاتحين لا يخرج عن أن يكون فخراً بالأصل، أو تغنياً بالشجاعة في الحروب، أو حنيناً إلى الوطن الأم، أو بكاء على الشهداء في الفتوح.
ولم يبق لنا من شعر هذه الفترة إلا أخباره ووصفه.
وكان لانتشار الإسلام وحرص المشرق على سلامته في تلك البلاد النائية، أن رحل كثير من علماء الدين بعلمهم إلى إسبانيا، فنمت الدراسات الدينية وانتعشت، وتبنى الأمويون في الأندلس، لأسباب سياسية مذهب مالك بن أنس الذي نشره الأوزاعي وقامت مدرسة فقهية نشرت ” الموطأ” لمالك.
ويذكر منهم ابن حزم الأندلسي في دفاعه عن الأندلس: عيسى بن دينار (827)، وابن حبيب (852)، والعتبي (869) وابن مزين (872) والقطاني (882).
و عندما نرصد ظاهرة الشعر الأندلسي في النشأة الأولية منذ القرون الأولى للفتح الإسلامي في ظل العرب ، يكاد لا ندرك منه ألا القليل وذلك لضياع المجموعات الأولى من الشعر ٠
و من ثم باتت الموشحات في القرن التاسع هى الشكل الأندلسي الأول في الشعر.
وكان أول أمره مقطعات منوعة القافية، وينتهي بخارجة في لغة رومانسية غير عربية، يمثل ازدواج اللغة في الشعر العربي لأول مرة، كما يمثل ازدواج الذوقين الفنيين، العربي والإسباني.
وقد ظل الموشح غنائياً عربياً فصيحاً ولكن تنوعت فيه القافية، وزيدت الخارجة. ولما كان اكتشاف المخطوطات في مجموعات الموشحات يأتي كل يوم بجديد، فإنه من الصعب أن ندرس الموشح درساً كاملاً. وبالرغم من ذيوعها، واستساغة بعض نقاد المشرق لها، فقد ظلت نوعاً ثانوياً لشعبيتها إلى جانب الأشكال العربية القديمة التي تنوعت قليلاً في بلاط خلفاء المغرب. وأهمية الموشحات تزداد عند المستشرقين اليوم، بسبب علاقة الشعر الشعبي الإسباني بأوليات الشعر الأوروبي عند الشعراء الجوالين ” التروبادور”.
وأهم من أثر في المغرب من شعراء المشرق، هو المتنبي الذي شرح ديوان ثلاثة من أعلامهم: الشنتمري، الأفليلي، وابن سيده. وقد احتذاه في تنويع وإجادة، شعراء بلاط قرطبة.
وظل الشعر الرسمي حتى القرن الحادي عشر مقلداً ثم اتخذ لنفسه شخصية قوية جديدة. ولاشك أن خلفاء بني أمية شجعوا الأدب وعملوا على جمع الكتب: “مكتبة الحكم الثاني”. ولجزيل عطائهم ظهرت طائفة من شعراء البلاط، أهمهم في هذه الفترة: “المصحفي” (982). ولكن الشعر الأندلسي الحضري يبدأ بابن دراج القسطلي (1030)، في عهد المنصور الذي أحرق مكتبة الحكم، خوفاً على الدين من العلم والفلسفة.
ويعد البغدادي والرمادي من شعراء هذا النوع في هذه الفترة.
وتزعم ابن شهيد(1035) حركة شعراء من أصل ارستقراطي، قاومت الموشح لشعبيته وتعصبت للشعر الفصيح وللعربية الأصيلة. وتظهر أفكاره تلك في كتابه ” التوابع والزوابع”. ويعد ابن حزم في تحليله للشعر العذري في “طوق الحمامة” من تلاميذ هذه المدرسة، وإن تكن شاعريته أقل درجة. ولم يؤثر سقوط الخلافة وقيام ملوك الطوائف في الشعر، بل أنه على العكس وصل إلى ذروته.
وفي هذا العصر ازدهرت حركة جمع الدواوين والمختارات الشعرية ووصلتنا دراسة أيضاً عن الشعر في القرن الحادي عشر، نشرها المستشرق بيرس أخيراً وعلق عليها بدراسة وافية للشعر في القرن الحادي عشر. وإذا كان كل بلاط تخصص في حماية نوع من المعرفة، فالكل حمى الشعر. وعالج الشعر الكلاسيكي الجديد كل الموضوعات، وإن يكن الوصف، وصف الطبيعة والحيوان والإنسان، أكثر موضوعاته انتشاراً.
وشهر في قرطبة: ابن زيدون (1070) الذي تغنى بحبه لولادة بنت المستكفي (1095) التي كانت حياتها شعراً وألهمت شعراء إسبانيا، بل شعراء صقلية أيضاً، مثل ابن حمديس (1132). وفي بلاط المعتصم ظهر الشاعر ابن شرف (1139) وفي غرناطة شهر أبو إسحق الإلبيري (1069)، وابن عبدون (1134). وفي عصر المرابطين الذي يبدو أنه جمع شمل الدولة الممزقة، خمد الشعر، فقد كان أكثر اهتمامهم بالدين. وفي بلنسية وحدها نجد الشعر المتحرر الذي شاع أيام ملوك الطوائف، بينما بسط سائر الملوك رعايتهم على شعر مديح تقليدي. وفي بلنسية نجد شعر الطبيعة والغزل عند ابن خفاجة (1138)، وشعر الطبيعة والخمر عند ابن زقاق (1135).
و مما لا شك فيه و لا جدال الشعر الأندلسي له طابع خاص في الخصائص لاسيما في الفنون الشعرية الذي امتاز بالوصف ورثاء الممالك الزائلة والاستنجاد بالرسول وكبار الصحابة ونظم العلوم والفنون والشعر الفلسفي، كما امتاز معانيه وأفكاره بالوضوح والبساطة والبعد عن التعقيد والتلميح إلى الوقائع التاريخية ولاسيما في رثاء الممالك الزائلة، أما ألفاظه وعباراته فقد كانت واضحة وسهلة والرقة والعذوبة وتجنب الغريب من الألفاظ واهتم بالصنعة اللفظية، وقد انتزع تصويره وخياله من البيئة الأندلسية الغنية بمظاهر الجمال الطبيعية وتزاحم الصور، أمابالنسبة للأوزان والقوافي فقد التزموا بوحدة الأوزان والقوافي بدايةً، ثم ابتدعواأوزانا جديدة لانتشار الغناء في مجالسهم ونوعوا في القوافي ومن ذلك الموشحات ٠٠
و من أشهر شعراء العصر الأندلسي هم أحمد عبد ربه، ابن برد، ابن هانئ الأندلسي وابن سهل الأندلسي الذي قال قصيدة المشهورة بالرداء الأخضر :
الأرض قد لبست رداءًأخضـراوالطـل ينثر في رباها جـوهراهاجت فخلتُ الزهر كافـورا بهاوحسبتُ فيها الترب مسكا أذفراوكأن سوسـنها يصافـح وردهاثغر يقبـل منه خـداً أحمـراوالنهـر ما بين الريـاض تـخالهسيفا تعلق في نجـادأخضرا ٠
نظم شعراء الأندلس الشعر في العديد من الأغراض التقليدية مثل الغزل والزهد والمجون والتصوف والهجاء والرثاء والمدح، كما أنهم طوروا في شعر الرثاء وأوجدوا رثاء الممالك الزائلة والمدن، و الحنين إلى الوطن ٠٠
كما أنهم تأثروا بالأحداث السياسية التي كانت تحدث حولهم فأوجدوا شعر الاستغاثة، وتوسعوا في شعر وصف البيئة في الأندلس، واستحدثوا نوع آخر من الشعر وهو فن الأزجال والموشحات.
و ها هو الشاعر ابن الخطيب، الذي يصف مدينة غرناطة في أشعاره إذ يقول:
أحِنُّ إلى غَرناطة كُلمَا هفّت نَسيمَ الصّبا تهدي الجَوى وتشوقُ سَقى الله مِنْ غَرناطةَ كُلَّ منهلٍ بمَنهلِ سُحبٍ ماؤهُنَّ هريقُ ديارٌ يدورُ الحُسنُ بَين خِيامِها وأرضٌ لها قلبُ الشَجىِّ مشوقُ وما شاقني إلى نَظارةُ مَنظرٍ وبَهجةُ وادٍ للعيونِ تَروقُ ٠
مع عوامل ازدهار الآداب في العصر الأندلسي :
—————————
يرجع كل هذا إلى الاستقرار والرفاه الذي عاش فيه الأندلسيون، وقد أطلق عليه المؤرخون اسم العصر الذهبي.
امتزاج الأجناس واندماجها مع الحضارة الغربية.
انتشار للحرية الفكرية والانفتاح على العلوم والثقافات الأخرى عن طريق الترجمة. تعلُّق الحكام الأندلسيين ومحبتهم للمعرفة، وتشجيعهم للعلماء على أخذ العلم ونشره.
و قالت الأميرة ولادة بنت المستكفي:
أنا واللَه أصلحُ للمعالي وأَمشي مشيتِي وأتيهُ تِيهَا وَأمكِّنُ عاشِقِي مِنْ صَحنِ خَدِّي وأُعطِي قُبلَتي مَنْ يَشْتَهيها ٠
و قال ابن زيدون الوزير العاشق في نونيته :
أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
أَلّا وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبَّحَنا
حَينٌ فَقامَ بِنا لِلحَينِ ناعينا
مَن مُبلِغُ المُلبِسينا بِاِنتِزاحِهِمُ
حُزناً مَعَ الدَهرِ لا يَبلى وَيُبلينا
أَنَّ الزَمانَ الَّذي مازالَ يُضحِكُنا
أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا
غيظَ العِدا مِن تَساقينا الهَوى فَدَعَوا
بِأَن نَغَصَّ فَقالَ الدَهرُ آمينا
فَاِنحَلَّ ما كانَ مَعقوداً بِأَنفُسِنا
وَاِنبَتَّ ما كانَ مَوصولاً بِأَيدينا
و من الموشحات الأندلسية ، موشح الخطيب :
جادك الغيث إذا الغيث همىيا زمان الوصل بالأندلسِلم يكن وصلك إلا حلمافي الكرى أو خلسة المختلسِ ٠
و أخيرا مع رثاء الأندلس :
=============
و هذه القصيدة النونية ألفها الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي عام 1267 ميلادي.
في “رثاء الأندلس” و من ثم لها مكانة خاصة في التاريخ نظرا لما تحمله من معنى ومشاعر ودور سياسي في فترة تاريخية حاسمة ٠
كما أنها من أشهر نماذج الشعر الأندلسي والأدب الأندلسي بصفة عامة :
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحدٍ ولا يدوم على حالٍ لها شان
يُمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ إذا نبت مشْرفيّاتٌ وخُرصانُ
وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ كان ابنَ ذي يزَن والغمدَ غُمدان
أين الملوك ذَوو التيجان من يمنٍ وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ ؟
وأين ما شاده شدَّادُ في إرمٍ وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ ؟
وأين ما حازه قارون من ذهب وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ؟
أتى على الكُل أمر لا مَرد له حتى قَضَوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ ٠
***
هذه كانت قراءة بمثابة مدخل للأدب الأندلسي لبيان خط سيره زهاء ثمانية قرون لحكم العرب و المسلمين في الأندلس حتى سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في الغرب بعد تناخر ملوك الطوائف و الحصار المضروب عليهم ٠٠
وقد تناولنا كل هذا في عدة بحوث مستفيضة منفصلة من قبل ٠٠
مع الوعد بلقاء متجدد ان شاء الله ٠