كتبت: هبة إسماعيل
لا يولد كثير من “الجناة” مجرمين… بل يصلون إلى الخطأ متأخرين، بعد سنوات من ظلمٍ متكرر، أو إهمالٍ مزمن، أو كسرٍ متواصل للحقوق، وكرامةٍ تُستنزف بصمت. ومع الوقت، تضعف المناعة الداخلية، ويتزعزع الإيمان بالعدالة، وبجدوى الالتزام.
نعم… هناك من يخطئ لأنه استسهل الخطأ.
لكن هناك من يخطئ لأنه فقد إحساسه بأن المجتمع يرى، أو يسمع، أو يُنصف.
وحين تتكرر المخالفة أمام عين القانون دون ردٍّ واضح، يتكوّن شعور خطير:
الالتزام خسارة… والصواب رفاهية لا تحمي صاحبها.
المخالفة لا تنتشر فجأة؛ بل تنتشر عندما تُترك حتى تصبح “عادة”.
والأخطر من المخالفات نفسها هو الاستثناء:
حين يرى الناس من يُعفى أو يتجاوز بلا حساب، لا يعتقدون فقط أن القانون ضعيف… بل يقتنعون أنه لا يساوي الجميع.
وهنا يبدأ الانفجار الحقيقي:
الاستثناء لا يقلل المخالفات… بل يبررها ويضاعفها.
لأن الإنسان لا يحتمل شعور الغبن؛ فإذا شعر أن الالتزام لا يحميه، وأن المخالفة تمنح غيره مزايا، سيبحث عن طريقٍ مشابه… لا حبًا في الخطأ، بل هروبًا من الظلم.
وهنا تبدأ أخطر مرحلة:
المخالفة لا تُرتكب بدافع الرغبة فقط… بل بدافع “رفع الظلم”.
فيتصاعد منطقٌ مدمّر:
“إذا كان غيري ينجو… فلماذا أدفع أنا وحدي ثمن الالتزام؟”
الاستثناءات ليست تفصيلًا إداريًا… إنها تصنع ثقافة كاملة، وتحوّل الالتزام إلى “غباء اجتماعي”، والمخالفة إلى “ذكاء” يضمن النجاة.
والردع ليس قسوة… بل حماية للمعنى:
أن يعرف الجميع أين الخط الأحمر، ومتى يُطبق، وعلى من يُطبق.
فالتهاون لا يصنع رحمة… التهاون يصنع فوضى، والفوضى تصنع صراعًا يبرّر فيه كل شخص ما كان يرفضه بالأمس.
كما أن التأخر في التصدي للمخالفات لا يُفسد ملفًا أو قضية فقط… بل يُفسد وعيًا عامًا.
لأن المجتمع لا يعيش على النصوص وحدها، بل يعيش على “الإشارات”.
وإذا كانت الإشارة المستمرة هي: “المخالفة تمر”
فسيعيد المجتمع ترتيب قيمه وفقًا لها… حتى لو كان داخله يرفض ذلك.
وحينها يسأل نفسه:
هل الالتزام له قيمة؟
هل العدل حاضر؟
هل الاستثناء هو القاعدة؟
لأن المجتمعات تُعاد صياغتها حين تستقر فكرة واحدة خطيرة:
“النجاة ليست للأكثر التزامًا… بل للأكثر قدرة على التجاوز.”
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج