تابع 11_تأملات في مفهوم الشر والالحاد

تابع

11_تأملات في مفهوم الشر والالحاد

بقلم: راسم جاسم جاسم

**** أبرز النظريات التي تناولت موضوع الشر وعلاقته بالإلحاد

بحسب معناه الواسع أم الضيق. وقد لاقت جدلاً متنوعاً من قبل المؤمنين طبقاً ((للثيوديسيا المعاصرة، كالذي تصدى لها كل من جون هيك وبلانتنجا وسوينبرن ومارلين آدامز وغيرهم)).
وقد اتخذ أغلب الجدل فيها جانب الاعتبارات الكلامية أو اللاهوتية، حيث تبنى المؤمنون الاطروحة الدينية التقليدية حول الإله كما في صيغته المسيحية، فيما طرح المعارضون اشكالات حول هذا المفهوم التقليدي للإله، ولم يتوسع الجدل للبحث عن مختلف التصورات المتعلقة بالاله وعلاقته المباشرة بكيفية الخلق.

كذلك انحصر بعض الجدل في معالجة الشر الأخلاقي، فيما تنوّعَ البعض الآخر ليشمل مناقشة الشر الوجودي، وهو المناسب باعتباره معنياً بتفسير مختلف حالات الشر.
بمعنى ان التعويل على مناقشة الشر الأخلاقي لا يفي بالغرض، لأنه يعجز عن تفسير الشر الوجودي خارج اطار الفعل الأخلاقي والارادة الحرة، في حين ان معالجة الشر الوجودي تفي بالمطلوب باعتبارها شاملة لكل أنواع الشر، سواء كان على نحو الارادة الحرة، أو على نحو القوانين الطبيعية الفاعلة في الكون.

ويلاحظ ان بعض الأدلة المطروحة سابقاً ضد الحجة اللاهوتية ((لا توجب انعدام الشر كلياً)) كما هو صريح ما قدمه رو، وكذا ما قدمه ماكي ضمنياً.
وحقيقة أصبح من الثابت ان الشر والمعاناة والآلام لا غنى عنها في أغلب الأحيان، فهي من لوازم الحياة الطبيعية الباعثة على التطور والتكامل. ومن ذلك ان الآلام الجسدية تعتبر منبهة على الخلل الذي يصيب الكائن الحي، وبالتالي فلا غنى عنها للاصلاح، وهي بذلك ليست شر، وانما عامل مساعد للخير. بل للمعاناة والآلام فوائد كثيرة وكبيرة، وقد أحصاها بعض الغربيين إلى (12 فائدة)، فيما أوصلها آخر إلى (15 فائدة). كما ظهرت أبحاث ودراسات كثيرة حول أهمية الألم وفوائده، وكان أبرزها كتاب (هبة الألم The Gift of Pain) العائد إلى الطبيب بول براند (Paul Brand) بالاشتراك مع فيليب يانسي (Philip Yancey)، وقد تم نشره عام 1997، وذلك بعد أن نُشر قبل أربع سنوات بعنوان آخر هو (الألم: الهبة التي لا يريدها أحد Pain: The Gift Nobody Wants). وقد قضى الدكتور براند خمسين سنة من حياته كمعالج كما في مرض الجذام وغيره، ومن ثم القيام بالتحقق من سر الألم والكشف عن أهميته.
وهو يعتبر أول طبيب يقدّر أن الجذام لم يحدث نتيجة تعفن الأنسجة، بل بسبب فقدان الإحساس بالألم، فغياب هذا الأخير هو ما جعل المرضى عرضة للإصابة.
وفي دراسته انتهى إلى أن الحياة من دون ألم تكاد تكون مستحيلة، فهو أمر حيوي للحفاظ على الأنسجة السليمة لدى أي شخص. لذلك قال: ((لو كان لي القدرة على إزالة الألم الجسدي من العالم؛ فلن أفعلها)). وعليه اعتبر((( الألم هو أحد أعظم هدايا الله لنا))) مع أنه هبة لا يريدها أحد منا ولا يمكننا الاستغناء عنها.
ولا تتكشف قيمة هذه الهبة بشكل أوضح إلا عند غيابها.
وقد اوردت الايه الكريمه هذا البيان في قوله تعالى (((ونذيقهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر لعلهم يرجعون ..)))

12 _تأملات في مفهوم الشر والالحاد

* علاقة الالم الناتج من الشر بالسعاده .

قد يغفل الكثير عن أغلب حالات المتعة التي يحصل عليها الناس انما تأتي من خلال المعاناة والمكابدة والآلام، وبدونها تبدو الحياة بلا معنى وبلا احساس بالمتعة.
فالمعنى معلق على الغاية، وتحقيق الغاية يتطلب الوسيلة، وفي الوسيلة تحدث المشقة والآلام، التي تقترن بها المتعة باعتبارها هادفة.
فأغلب الناس يزاولون مهاراتهم وأعمالهم الهادفة بمعاناة وآلام، لكنهم يستمتعون بذلك، بل ويستمتعون حتى مع غياب الغاية والهدف، كما في بعض حالات التي يمتزج فيها الألم مع اللذة.
فالمعاناة والآلام لا تتعارض بالضرورة مع البهجة والخير، انما يحصل التعارض عندما تكون تلك المعاناة والآلام حادة وصادمة من دون أن يتحقق غرض صالح منها.

وحتى الآلام النفسية كثيراً ما تكون ذات فائدة على الصعيد الفردي والاجتماعي، ففي حالات فقد الأحبة يفيض الحب والحنان وتلتئم النفوس وتزول الأحقاد بين المعنيين بالحدث.

وكما تقول الكاتبة تيس جيرتسن Tess Gerritsen في روايتها (الجرّاح The Surgeon): إن أغلب المشاعر الحميمية يمكن ان تكون قابلة لأن يتشارك فيها الناس، لكن ليس من خلال الحب أو الكراهية، بل عبر الألم والفواجع .

لذلك فإن أغلب ما تنكره الأدلة الآنفة الذكر التي قدمها الباحثين لا يتعدى( الشر المروع والصادم) إما باعتباره قائماً من دون وجود ما يعمل على تقليصه، ومن ثم زواله، أو لكونه مجانياً، فيما اعتبر البعض ان الشر دال على الاحتجاب الإلهي من دون تفاعل ومحبة، سواء تعلق الامر بالشر الصادم والمجاني، أو بجميع الحالات الأخرى للشر بما فيها تلك التي تعتبر ضرورية للحياة.

كما يلاحظ ان بعض الاستدلالات الآنفة الذكر اعتبر ((الشر لازماً موضوعياً للإلحاد)) بمعناه الواسع، فيما قيد البعض الآخر اعتباره لازماً موضوعياً بمعناه الضيق، وبالتالي((((( فهو ليس دليلاً قاطعاً على نفي الإله)))))، بل اقتصر الاعتراض على ما ينسب للإله من صفات كمالية.

فالثيولوجيون قديماً وحاضراً يؤكدون على ان للإله صفات تامة من ((العلم والقدرة والعدل والرحمة والاحسان وغيرها من خصائص الخير)).

لكن شذّ عن هذا الاجماع أو التسالم القليل من اللاهوتيين، أبرزهم الحاخام هارولد كوشنر Harold Kushner الذي أصدر كتاباً بعنوان (عندما تحدث الأشياء السيئة للناس الصالحين) عام 1981، وهو يتضمن تفسير ظاهرة الشر كرد فعل على المأساة الشخصية التي حلت بالمؤلف بعد موت ابنه (هارون) بسبب الشيخوخة المبكرة.

13_ تأملات في مفعوم الشر والالحاد

* كوشنر يخالف المجموع ودحض فكرة الشر من الالحاد

عبّر كوشنر عن قلقه في تفسير ظاهرة الشر المتكرر باستمرار، إذ لم يقتنع بالحجة اللاهوتية التقليدية، لذلك اضطر إلى ان يتخذ موقفاً جريئاً عبر التنازل عن بعض الصفات الإلهية، فهو بين موقفين صعبين.

*إما ان يحتفظ بالصفة الكمالية للقدرة الإلهية مع التنازل عن صفة الخير من العدل والرحمة.

** أو على العكس يحتفظ بصفة الخير الكمالية ويتنازل عن صفة القدرة الكلية

وقد انحاز إلى صفة الخير مع اضطراره للتخلي عن صفة كمال القدرة، معتبراً ان المعاناة التي نتعرض لها ((((ليست من فعل الله ))))ولا أمكنه ان يمنعها، فهو لا يتدخل مثلاً لإنقاذ الناس الطيبين من الزلازل أو الأمراض أو أي كوارث أخرى.
بل كل ما في الوسع فعله هو مساعدتنا عند اللجوء اليه بعد المحن والمصائب، طبقاً لعدالته وخيريته، فهو الذي يمدنا بالقوة والطاقة عند الطوارئ رغم أننا لا نمتلكها قبل الوقوع في المحن، وهو الذي يلهم الناس لمساعدة بعضهم البعض عند المآسي بشكل يدعو للدهشة والاعجاب.

أما الشر فقد عزا حدوثه إلى ثلاث علل كالتالي:

1ـ حوادث الشر المتعلقة بنتائج الارادة البشرية. فالله لا يتدخل في هذه الارادة لانها تفضي إلى الانتقاص من انسانية الانسان الذي يكتمل بارادته.

2ـ الخضوع تحت رحمة نتائج القانون الطبيعي. فالأخير أعمى ولا يخضع للاستثناءات ولا القيم الأخلاقية، ومنه تحصل الزلازل وسائر الكوارث المعروفة. والله لا يتدخل بفعل القانون الطبيعي لانقاذ هذا أو ذاك مهما كان الشخص صالحاً.

3ـ العشوائية الحاصلة من دون سبب، أي ما يحصل من حوادث نتيجة عدد من المصادفات العشوائية التي قد يتعرض لها البعض فيصاب بالمعاناة والشر.

لقد تقبل كوشنر القول بالعشوائية والفوضى لتسبيب الكثير من المصائب بدل جعلها من فعل الله كي لا يتصف بالقسوة والظلم من دون رحمة.

ويلاحظ ان هناك تداخلاً بين العلتين الأخيرتين. ويبدو ان ما قصده كوشنر من العشوائية؛ هي ما لا يمكن ردها إلى سبب محدد، بل إلى مجموعة أسباب متغيرة، فتفضي إلى نتائج غير متوقعة، كتلك التي عبّر عنها عالم الأرصاد ادوارد لورنتس (عام 1972) بأثر جناح الفراشة، خلافاً للقوانين الثابتة والقابلة للتنبؤ بدقة.

لقد عزا كوشنر ((تنظيم الكون إلى الله))
والذي حسبه ذا قيمة كبيرة. رغم ان فيه بعض الفوضى والعشوائية التي تسبب جزءاً من الشر. فترتيب الكون ما زال لم يكتمل، ولهذا تحدث الفوضى والشرور العشوائية هنا وهناك، فهي ظرفية قد تحدث في المكان والزمان الخطأ، ولا معنى للبحث عن سبب لها، فهي تحدث من دون سبب كلازم من لوازم التشكل الكوني قبل الاكتمال. لكن يبقى أغلب العالم منظماً غاية التنظيم، لخضوعه إلى قوانين دقيقة وثابتة يمكن التنبؤ من خلالها، رغم حصول الفوضى، ومن ثم الشر، خارج مجال هذه القوانين.

وهنا نقطة ضعف كوشنر عندما جعل الفوضى ومن ثم الشر خارج دائرة القوانين.

سؤال

إذ في هذه الحالة ما الذي يجعل الإله عاجزاً عن فعل شيء بسيط يمنع به عارضاً عشوائياً لانقاذ الناس الصالحين، طالما ان هذه العشوائية خارج القوانين الثابتة؟

مثلاً انه لم يوضح كيف يعجز الإله عن انقاذ طفل صغير يقترب من مسبح ليغرق به من دون علم ذويه، إذ كان يكفي ان يلهمهم بمكان هذا الطفل مثلاً، كالذي حدث مع ابن صديقة الباحث اللاهوتي دانيال سبيك وفق ما أشار إليه في مستهل الفصل الأول من كتابه (مشكلة الشر).

لقد تجنب كوشنر الحديث عن الأسباب التي تجعل الله عاجزاً عن ان يمنع الشر باسهل ما يكون، طالما ان عشوائية الشر ليست على الضد من قوانين الكون الثابتة.

هذه نقطة ضعف البحث لدى كوشنر، ولو انه جعل هذه العشوائية ليست خارجة عن قوانين الكون لكان بحثه متسقاً، كالاتساق الذي جعله ينفي ان تكون هناك معجزات للانبياء بفعل القوانين الثابتة للطبيعة. وكما ذكر بأن الناس يعتقدون طيلة قرون مضت بأن الانبياء والاولياء محميون ومدعومون من قبل الله، وذلك عبر تعطيل قوانين الطبيعة وخرقها عبر المعجزات.
أما اليوم فابدى تشكيكه بهذه القصص، واعتبر الدليل على خلافها بفعل ما نجده من دقة موثوقة لقوانين الطبيعة التي لا تقبل التغيير. وهي بهذا لا تستثني الصالحين بشيء من المعجزة.
فليس للرصاص ولا الاورام الخبيثة أدنى ضمير.
وبالتالي فالله لا يوقف العمل بنظام الطبيعة وقوانينها لحماية هذا الصالح أو ذاك، مؤكداً بأن الطبيعة رغم انها لا تحمل قيماً أخلاقية، باعتبارها تتعارض مع قوانينها الخاصة، لكن الله لا يتصف بالعمى الأخلاقي.
فالزلزال القاتل ليس فعل الله، انما فعله هو تشجيع الناس لإعادة بناء حياتهم بعد الإصابة بهذه الكارثة، ودفع الآخرين لمساعدتهم بأي طريقة ممكنة.

لقد طرح كوشنر سؤالاً مفاده: إذا كان الله قد صمم العالم لتحقيق أقصى فائدة ممكنة، فلماذا لم يستطع خلق قوانين ثابتة للطبيعة من دون إضرار بأحد من الناس؟

فهذا ما تساءل به هذا اللاهوتي دون ان يجيب عليه صراحة سوى ما تضمن بحثه من وجود العشوائية التي لا محيص منها في ظل إطار اكتمال بناء الكون بالتدريج. وهو يعترف بأنه قد ناقش بعض مظاهر الشر، كالألم والموت من حيث فائدتهما.

لكنه لم يتطرق إلى جواب لماذا لم يخلق الله عالماً من دون ألم وموت؟

بل رأى ان من الضروري تغيير السؤال: لماذا فُرض علينا الألم؟

إلى سؤال: ماذا نفعل مع ألمنا بحيث يصبح ذا معنى وليس مجرد معاناة فارغة لا معنى لها؟

معتبراً أن كل ما نفعله هو محاولة الارتقاء إلى ما وراء السؤال (لماذا حدث ذلك)؟

ومن ثم البدء في طرح بديله: ماذا أفعل الآن بعد الحدث الذي ألمّ بي؟

وقد استشهد في ذلك بالنبي أيوب، حيث طالب ان لا يكون سؤالنا عند المصائب كسؤال هذا النبي: إلهي لماذا تفعل بي هذا؟
وانما ينبغي السؤال: إلهي انظر ما يحدث لي، هل يمكن أن تساعدني؟

هكذا فإن دور الله الأهم بحسب كوشنر هو انه مصدر النظام الأخلاقي في العالم باعتباره خيّراً.

من خلال ماتقدم من اراء يجيب عليها القران الكريم بدليل الايه (اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )
اذن الشر بفعل البشر

يتبع ان شاء الله

شاهد أيضاً

كيف حاولت قطر تلميع صورتها داخل إسرائيل على حساب مصر؟

كيف حاولت قطر تلميع صورتها داخل إسرائيل على حساب مصر؟ كتب/ أيمن بحر تعالى أقولك …