العالم يعيد رسم موازينه تحالف روسى صينى إيراني يفرض واقعا جديدا فى مواجهة واشنطن

العالم يعيد رسم موازينه تحالف روسى صينى إيرانى يفرض واقعا جديدا فى مواجهة واشنطن

 

بقلم/ أيمن بحر

 

لم يعد المشهد الدولى يدار بالبيانات ولا بالتغريدات ولا بالمؤتمرات الصحفية ما يجرى اليوم يحدث على الأرض وبحسابات دقيقة وبخطوات متتابعة تؤكد أن خريطة القوة العالمية دخلت مرحلة مختلفة تحالف روسى صينى إيرانى لم يعلن رسميا لكنه تشكل بالفعل عبر وقائع متلاحقة جاءت ردا مباشرا على سياسات الرئيس الأميركى دونالد ترامب التي راهنت على الضغط المتزامن على أكثر من خصم فى وقت واحد

ترامب أخطأ قراءة الهدوء الروسى حين أقدمت واشنطن على الاستيلاء على سفن روسية تعمل تحت العلم الروسى وداخل نطاق ما يعرف بأسطول الظل فكانت البيانات الدبلوماسية الهادئة من موسكو كافية ليظن الرئيس الأميركى أن الكرملين لن يذهب أبعد من ذلك فقرر تكرار الخطوة ورفع مستوى الاستفزاز وهنا تحولت المسألة من حادث بحري إلى اختبار إرادة بين قوتين عظميين

وفي الوقت نفسه وسعت واشنطن دائرة الضغط لتشمل إيران الحليف الاستراتيجي لروسيا والشريك العسكري الفاعل في الحرب الأوكرانية خصوصا في مجال الطائرات المسيرة التي شكلت أحد أعمدة التفوق الروسي الميداني وبهذا تحولت الخطة الأميركية إلى محاولة لضرب موسكو وطهران معا وتعزيز نفوذ إسرائيل وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بضربة واحدة

داخل إيران تحركت شبكات استخباراتية قديمة وجديدة واندلعت احتجاجات وتصاعد التوتر في الشارع بين معارضين ومؤيدين وقوات أمن وسقط قتلى ومصابون ودخلت البلاد لحظة شديدة الحساسية اعتقدت واشنطن معها أنها نجحت في فتح جبهة داخلية تضعف النظام الإيراني وتربك حلفاءه

وفي موازاة ذلك أطلق ترامب تصريحا بدا مهادنا لبكين حين قال إن تايوان شأن صيني لكن خلف هذه الكلمات كان هناك فخ سياسي الهدف منه دفع الصين إلى الانخراط في مواجهة مباشرة تشغلها وتستنزفها بينما تتحرك واشنطن بحرية في ملفات أخرى لكن بكين قرأت اللعبة وقررت الصمت والصمت الصيني في حسابات القوى الكبرى أخطر من أي خطاب

هنا بدأ الرد الحقيقي لموسكو فالكرملين لم ير في ما حدث مجرد استفزاز بحري بل محاولة لفتح جبهتين في وقت واحد فقرر الرد بالمنطق نفسه ولكن بأدوات أوسع فتح الخريطة ونظر للصورة كاملة وتحرك على أساس عمل جماعي مع الحلفاء

الخطوة الأولى كانت تجاه إيران حيث تم تفعيل صفقة مقاتلات سو خمسة وثلاثين في وقت قياسي وانتقلت من ملف مؤجل إلى قرار تنفيذي كما لعبت روسيا دور الوسيط مع الصين لتزويد طهران بأنظمة رادار متقدمة واتصالات مشفرة وربط ملاحي بمنظومة بايدو لتدخل إيران بذلك مرحلة عسكرية مختلفة تماما قادرة على الصمود والردع في أي مواجهة محتملة

الأخطر أن هذا كله لم يتم بالدولار ولا عبر البنوك بل عبر الذهب شحنات ضخمة خرجت من إيران إلى روسيا جزء منها سداد وجزء تأمين استراتيجي في حال انفجار الداخل الإيراني بما يضمن بقاء الاحتياطي خارج دائرة الخطر ويعطي طهران هامش مناورة غير مسبوق

وفي الوقت ذاته أطلقت موسكو صواريخ فرط صوتية استهدفت معدات وطائرات أميركية سلمتها واشنطن لأوكرانيا وضربت بنية جوية قبل دخولها الخدمة وكانت الضربة رسالة واضحة مفادها أن من يأخذ السفن سيجد معدات حليفه تتدمر قبل أن تتحرك واستخدام صاروخ أوريشنيك قرب حدود بولندا حمل تحذيرا مباشرا للناتو دون إعلان حرب لكنه بلا أي غموض

داخل إيران ترافقت هذه الضربات مع تشديد أمني وتعبئة شعبية ونزول مؤيدين إلى الشوارع لتأكيد أن ما يحدث ليس ثورة بل محاولة تخريب وفي الخلفية أطلقت طهران حرب أعصاب عبر رسائل شخصية دقيقة تحمل أسماء وعناوين وبيانات كاملة لتقول للخصوم نحن نعرفكم وهذه آخر إنذاراتنا ما أدخل دوائر إسرائيلية في حالة ذعر صامت

أمام هذا التنسيق اضطرت واشنطن إلى تغيير النبرة خرج ترامب بخطاب أقل حدة وتحدث عن أن العقوبات والقرارات الكبرى بيد الناتو وعندما سئل عن إمكانية استهداف بوتين قال إن الرجل ليس مادورو وإن التعامل معه يكون بالردع أو بالصفقات وهي عبارة تلخص إدراكه بأن الرسالة وصلت

ما جرى لم يكن تصعيدا عشوائيا بل ردا منسقا روسيا ضربت إيران أرعبت والصين صمتت وهذا الصمت هو الإشارة الأوضح على أن العالم لم يعد قطبا واحدا وأن من يعتقد أنه يقف فوق الجميع سيكتشف أن الأرض أوسع من غروره وأن موازين القوة تعاد صياغتها الآن على مرأى من الجميع

شاهد أيضاً

الخلاف مساحة رأي لا ساحة انتقام

بقلم ـ بلال سمير من المروءةِ والنُّبل أن يبقى الخلاف عابرًا لا مُهينًا، وأن لا …