العالم يعيد تشكيل نفسه أمام أعيننا القوة الصاعدة تتحدى القوة المتراجعة والفوضى تقترب
كتب/ أيمن بحر
لم يعد شىء فى الخفاء في الأيام الأخيرة العالم لا يتحرك بشكل طبيعى كل شيء يحدث فى التوقيت نفسه وبالسرعة نفسها كأن هناك ساعة واحدة تدق فى كل العواصم حاملة طائرات أمريكية عملاقة تقترب من حدود إيران أوروبا تغير اتجاهها فجأة نحو الصين وبكين ترد بأكبر مناورات عسكرية تحاصر تايوان فى تاريخها وفى الخلفية الذهب يقترب من خمسة آلاف دولار والفضة ترتفع بوتيرة غير مسبوقة السؤال ليس ماذا يحدث بل من يرى الصورة كاملة ولماذا يشتري الذهب الآن لأن ما يجرى لا يمكن فهمه كأحداث منفصلة والمشهد الحقيقي يظهر فقط عندما نبتعد خطوة إلى الخلف وننظر إلى الخريطة من الأعلى البداية لم تكن فى إيران ولا في تايوان بل فى مكان لم يتوقعه أحد كندا فى أوائل يناير ظهر مشهد صادم على شاشات العالم رئيس وزراء كندا يجلس فى بكين أمام الرئيس الصينى للتفاوض على اتفاقيات تجارية بمليارات الدولارات كندا الحليف التاريخى لواشنطن عضو مجموعة السبع واقتصادها مرتبط بالسوق الأمريكى بشكل شبه كامل ومع ذلك قررت التوجه شرقًا رد ترامب كان عنيفًا وهدد بفرض رسوم مئة بالمئة على الصادرات الكندية خطوة كان معناها خنق الاقتصاد الكندى بالكامل المنطق قال إن أوتاوا ستتراجع لكن الذى حدث كان العكس تمامًا رئيس الوزراء الكندى خرج فى دافوس ليعلن أمام العالم أن الصين شريك يمكن الاعتماد عليه وأن زمن الهيمنة الأمريكية قد انتهى ولأول مرة منذ أكثر من قرن بدأ الجيش الكندى مناقشة سيناريوهات مواجهة تهديد أمريكي محتمل هنا لم يعد الخلاف سياسيًا بل بداية تصدع داخل قلب المعسكر الغربى وما إن ظهرت الشرخ الأول حتى بدأت أوروبا تتحرك فى الاتجاه ذاته فرنسا ترحب بالصين علنًا ألمانيا ترتب زيارة رسمية لبكين وبريطانيا توافق على إنشاء أكبر سفارة صينية فى العالم داخل لندن رسالة واحدة خرجت من كل ذلك أوروبا لم تعد تثق فى واشنطن كما كانت سياسات ترامب العدائية والضغوط الاقتصادية والابتزاز المباشر للحلفاء دفعت القارة العجوز للبحث عن بديل حتى لو كان هذا البديل هو الصين نفسها وهكذا بدل أن تعيد أمريكا هيبتها وجدت نفسها تفكك التحالف الغربي بيديها وهنا يطرح السؤال الأخطر هل كانت واشنطن تجهل نتائج هذا المسار الإجابة لا الولايات المتحدة تعلم تمامًا ما تفعل لكنها وصلت إلى لحظة لم تعد قادرة فيها على الاستمرار بنفس الدور القديم وفى ثلاثة وعشرين يناير نشرت وزارة الدفاع الأمريكية وثيقة استراتيجية 2026 التي حملت اعترافًا غير مباشر بحقيقة تاريخية أمريكا لم تعد تريد ولا تستطيع أن تكون شرطى العالم الهدف الجديد أصبح واضحًا التركيز على نصف الكرة الغربى فقط والانسحاب التدريجى من الأعباء العالمية أوروبا ستعتمد على نفسها إسرائيل ستتحمل تكلفة أمنها والشرق الأوسط لن يبقى أولوية دائمة بمعنى أدق الإمبراطورية تعيد التموضع قبل الإنهاك الكامل لكن التاريخ يخبرنا بشيء واحد ثابت عندما تتراجع الإمبراطوريات تبدأ الفوضى وهنا نصل إلى أخطر نقطة على الخريطة إيران في هذا التوقيت الحساس وصلت حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لينكولن إلى خليج عمان بالقرب من الحدود الإيرانية ضمن حشد عسكري هو الأكبر منذ حرب الخليج مدمرات قاذفات استراتيجية مقاتلات متقدمة منتشرة في قواعد المنطقة وفي المقابل تحذيرات إسرائيلية عاجلة إلغاء واسع لرحلات الطيران وتصريحات تتحدث عن مرحلة شديدة الحساسية إيران ترد بعرض خرائط لأهداف داخل إسرائيل وتلوح بضرب الحاملة الأمريكية نفسها المشهد واضح المنطقة تقف على حافة ضربة كبرى الهدف ليس إيران وحدها بل ما تمثله إيران في معادلة الصراع العالمي أهم حليف للصين في الشرق الأوسط وأحد مصادر الطاقة الحيوية لاقتصادها كسر إيران يعني خنق جزء من الصعود الصيني وفي اللحظة نفسها ومن الطرف الآخر من العالم تتحرك الصين بمجرد مغادرة الحاملة الأمريكية بحر الصين أطلقت بكين أكبر مناورات بحرية وجوية حول تايوان في تاريخها حصار عملي رسالة سياسية اختبار مباشر لقدرة واشنطن على القتال في جبهتين إما التراجع أو المجازفة بانفجار عالمي وهنا تتضح الصورة كاملة العالم لا يعيش أزمة عابرة بل يعيش لحظة انتقال كبرى في ميزان القوى قوة عظمى تتراجع قوة صاعدة تختبر الحدود وحلفاء يبحثون عن حماية بديلة ولهذا تهرب البنوك إلى الذهب وترتفع الفضة وتستعد الأسواق لمرحلة لا تشبه ما قبلها نحن لا نشاهد أخبارًا نحن نشاهد إعادة تشكيل العالم والأخطر أن كل هذا يحدث الآن وأمام أعيننا مباشرة
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج