أخبار عاجلة

السيسي وترامب والقرن الأفريقي: مقامرة “الصفقة” في حقل ألغام الجيوسياسة

كتب : دكتور احمد ابراهيم حنفي
عضو جريدة ديلي جراف عربية
مدير جريدة الوطن الاكبر بمحافظة الغربية ومدير جريدة حوادث الغربية
​مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، دخلت منطقة القرن الأفريقي مرحلة جديدة من “السياسة التفاعلية” (Transactional Politics). لم تعد الملفات تُدار عبر أروقة المنظمات الدولية البيروقراطية، بل أصبحت تخضع لمنطق “الصفقات الكبرى” الذي يبرع فيه ترامب، والذي يجد في القاهرة شريكاً لا يمكن تجاوزه، ليس فقط لثقلها الإقليمي، بل لدورها المحوري في صياغة استقرار “الشرق الأوسط الجديد”.
​1. “رجل السلام” في غزة.. ومفاوض المياه في النيل
​لقد استطاع الرئيس السيسي في الأشهر الأخيرة من عام 2025 تعزيز مكانته لدى إدارة ترامب كلاعب لا غنى عنه، خاصة بعد النجاح في هندسة وقف إطلاق النار في غزة (أكتوبر 2025). هذا الدور منح القاهرة “رصيداً سياسياً” استثمره ترامب سريعاً، حين وجه رسالة شكر للسيسي في يناير 2026، عرض فيها صراحةً إعادة إحياء الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة.
​ماذا بعد؟ ترامب يرى في حل أزمة المياه “إنجازاً تاريخياً” يضاف لسجله، لكن مقاربته هذه المرة قد تكون أكثر حزماً مع أديس أبابا. ففي حين أن إثيوبيا أتمت بناء السد وافتتحته رسمياً في سبتمبر 2025، إلا أن ترامب يلوح بورقة “التمويلات والمساعدات”، واصفاً الصمت السابق عن المشروع بـ”الغباء”. القاهرة تراهن هنا على ضغط أمريكي يحول “سياسة الأمر الواقع” الإثيوبية إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن التدفقات المائية في سنوات الجفاف.
​2. الصومال: جبهة المواجهة الجديدة
​القرن الأفريقي لم يعد مجرد قضية مياه، بل تحول إلى “ساحة نفوذ” عسكري. الاتفاق الدفاعي بين مصر والصومال، وتواجد القوات المصرية هناك ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة (AUSSOM) لعام 2026، وضع القاهرة في مواجهة مباشرة مع الطموحات الإثيوبية (التي تسعى لمنفذ بحري عبر صوماليلاند).
​الموقف الأمريكي: هنا تكمن العقدة؛ فترامب يحمل نظرة سلبية تجاه الصومال (وصفها مؤخراً بالأماكن “الكارثية”)، وقد يميل للاعتراف بـ “صوماليلاند” كدولة مستقلة تماشياً مع رغبة بعض حلفائه الإقليميين. هذا التوجه يضع المصالح المصرية في اختبار صعب: كيف تقنع واشنطن بأن استقرار الصومال الموحد هو ضمانة لأمن البحر الأحمر ومنع الفوضى التي يكرهها ترامب؟
​3. سيناريوهات “ماذا بعد”؟
​تحت مظلة قمة دافوس 2026، تتجه الأمور نحو مسارين لا ثالث لهما:
​مسار “المقايضة الاستراتيجية”: أن تقبل واشنطن بدور قيادي لمصر في القرن الأفريقي (لتأمين الملاحة ومحاربة الإرهاب) مقابل انخراط مصري أعمق في خطط ترامب الإقليمية للشرق الأوسط وإعادة إعمار غزة.
​مسار “إدارة الفوضى”: إذا استمر ترامب في سياسته الانعزالية تجاه أفريقيا، فقد تجد مصر نفسها مضطرة لتعزيز تحالفاتها “الجنوب-جنوب” (عبر بريكس) أو الدخول في مواجهة دبلوماسية/أمنية أوسع لحماية مصالحها في الصومال وحوض النيل بعيداً عن الغطاء الأمريكي.
​الخلاصة
​إن علاقة السيسي وترامب في عام 2026 ليست مجرد “كيمياء شخصية”، بل هي صراع إرادات حول طاولة مفاوضات كبيرة. القاهرة تدرك أن ترامب “رجل صفقات”، وهي تملك الآن أوراقاً قوية في غزة، ليبيا، والسودان، ستحاول مقايضتها بـ “ضمانات وجودية” في ملفي المياه ووحدة الصومال.

شاهد أيضاً

هل يقود ترامب العالم إلى نهاية الإمبراطورية الأميركية

هل يقود ترامب العالم إلى نهاية الإمبراطورية الأميركية   تقرير/ أيمن بحر لم تسقط الإمبراطوريات …