الرجل المبروك
عبد الكريم احمد الزيدي
العراق / بغداد
على جانب نهر مهروت الذي ياخذ مياهه من نهر ديالى تقع قرية صغيرة لا تضم بيوتاتها الطينية الا قريب من عّم ونسيب ليرجع الجميع الى جد واحد ، لا يمتهن كبارهم سوى الذكر والقران وتهاليل التوحيد والاخلاص لله سبحانه وتعالى ، ولان موقع القرية الصغيرة هذه التي عرفتها القرى المجاورة باسم اهلها التويجرية على ضفاف هذا النهر الصغير فانها كانت تحف العديد من البساتين الغناء بانواع النخيل والحمضيات وباقي اشجار الفاكهة التي تفيض على اهلها بالخير والبركة .
وصار هذا النهر الصغير مصدرا لزراعة الغلة وزروع الخضر المختلفة التي يعتاش عليها اهل هذه القرية فلا يحتاج المقيمين فيها ما يحتاجه سواهم في المدن والنواحي من نتاج الارض وزرعها ومما زاد من خيراتها ان اكتملت بتربية الحيوان من بقر وحمير ودواجن وطيور ، لترى منظرها وهي تعود الى بيوتاتها قبيل المغرب حيث تعرف كل مجموعة منها مأوى اقامتها لتعود في الفجر الى حيث مرعاها في خصوب الارض التي تجاور القرية وبساتينها .
كان لابد لهذه المقدمة قبل ان نتعرف على عنوان مقالنا في رجل الدين المبروك هذا ، ونستكشف بيئة معيشته واقامته وصورة من حياته التي نشأ فيها كأي من اهلها ولكن ما اختلف فِيهِ عن سواه هو تبحره في علوم الذكر والتوحيد والاخلاص وتأدبه بأدب القرآن والحديث النبوي الشريف وسيرة قائده سيدنا المصطفى صَل الله عليه واله وسلم .
فكان له من الوجاهة والسيادة والحلم ما جعله قبلة لغيره في الدراية والتعليم والحكمة وادب الحديث ، ولا زلنا نتحدث عن رجل بسيط اقام بين اهله ولَم يعرف عنه غير علمه واخلاصه في العبادة وحسن تعامله مع الاخرين ولكن الله سبحانه وتعالى اراد له كما اراد لغيره من خلقه وعباده كرامة ووجاهة وحكمة يتفرد بها ثوابا له في الدنيا واعلاءً له بين الناس ومن عرفه وتعرف اليه من ورع التدين والتقرب الى الله سبحانه وتعالى ومخافته وتقواه وذكره في القلب واللسان .
ولتمام اركان دينه وايمانه بان حج بيت الله امرا مفروضا لمن استطاع اليه سبيلا ، فقد كانت تراوده وفِي صباه وشبابه احلام زيارة بيت الله وقبر حبيبه المصطفى صَل الله عليه وسلم وصارت لا تفارقه وهو يلهج بذكر الله ومدح حبيبه في كل مناسبة دينية وايام الذكر والمديح في ليالي الاثنين والجمعة كما اعتاد احياءها اهل القرية ، حتى حان موعد القرار بالحج وهو امر لم يكن بالهين ونحن نتكلم في حدود اكثر من اربعة قرون خلت حيث لا تتوفر في حينها من وسائل للسفر والترحال وحتى الدليل بين بقاع الارض المترامية بين مكة والمدينة ومكان اقامته حيث قريته التي لا تكاد تعرف على وجه الارض .
وكان له ماشاء ان يتقدم اهل قريته وَما جاورها ليقرر الحج الى بيت الله الحرام بعد ان اتم تجهيز ما امكن من متاع وسفر ، ليجتمع مع اهله واقاربه ليلة سفره فيودعهم ويسالهم امانة اهل بيته عسى ان يرده الله سالما معافى وان يترك فيهم ما عهده من احسان وفضل لكل من يسال عنه ويدعو له بالسلامة والصلاح .
ولكن ما عز عليه واهله يودعوه ويدعون له ان حمّلوه هدية من يد رسول الله عليه افضل الصلاة واتم التسليم يرجع لهم بها يتكرمون بفضلها ويشاركوه فيها زيارة قبره الشريف والصلاة عند قدميه والدعوة في روضته المباركة .
وكان له ما بغى واراد فقد يسر الله له ومن معه في راحلة الحج اتمام مناسك الحج والطواف ليعود الى مدينة رسول الله مودعا اياها وسائلا قبول حجه وتمام اركان دينه ، ولكن ما لازم باله وفكره ظل شاغله حتى يتم امانة ما اوصاه بِهِ اهل قريته من شأن الهدية التي طلبوها وهو قد انهى ما بدأ ولَم يعد لديه من الوقت ما يستدرك بِهِ هذا الشأن والامانة .
صلى ليلته واسند برأسه الى قبر الرسول صَل الله عليه وسلم وهو يدعو ويسبح ويوحد الله ويكبر جلالته وعظيم سلطانه حتى اخذته غفوة قبل ان يستيقظ لصلاة الفجر حيث اخر صلاة له في المدينة واخر عهد له بزيارتها ، والغريب ان هذا الرجل الصالح الفقير طاف في منامه من يمد له حفنة من تراب قبر الرسول عليه اتم الصلاة وافضل التسليم ويضعها في يديه وهو نائم ليمسك بها بقوة وهو يفيق فزعا من منامه فيحس بها ولا يكاد يميزها حتى نظر اليها حامدا شاكرا فضل الله ورسوله وليستدرك ان هذه التربة انما هي من يد المصطفى الهادي عليه افضل الصلاة واتم التسليم وهي الهدية التي سيذهب بها الى اهله واقاربه ومن يكون باستقباله عند عودته اليهم .
ولا يزال لحد الان يتبارك الناس والزائرين لقبر هذا العالم التقي الصالح باخذ حفنة من تراب قبره تبركا بتربة جده المصطفى وايمانا بما فضل الله ورسوله عليه من بركة واحسان، ولربما فاتني ان اذكر ان هذا الصالح هو الملا قاسم التويجري قدس الله سِرُهُ وهو الجد التاسع لَنا من والدتنا رحمها الله واحسن اليها .
……………………………………………………………….
عبد الكريم احمد الزيدي
العراق / بغداد