الجزء الثاني من حوار الفكر والهوية: “التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة”

الجزء الثاني من حوار الفكر والهوية:

“التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة”

مع الدكتور السيد إبراهيم أحمد

تحاورُه: الكاتبة والإعلامية السورية روعة محسن الدندن

 

أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن مديرة مكتب سورية في الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام الإلكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

 

ضيف الحوار:

الدكتور السيد إبراهيم، رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، وعضو شعبة المبدعين العرب ـ جامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي ـ اتحاد الكتاب والمثقفين العرب – باريس.

في هذا الجزء الثاني من حوارنا الثقافي مع فضيلة الدكتور السيد إبراهيم، نغوص أعمق في بنية الحضارة الإسلامية، متتبعين كيف أسهمت البيئة العربية والإسلامية في إنتاج واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ، وكيف شكّل الإسلام محرّكًا فكريًا وثقافيًا لا مجرد دين تعبّدي.

نفتح ملفات الفقه، الفلسفة، الفن، والعلوم في علاقتها بتكوين العقل الحضاري، ونتناول دور مؤسسات كـ بيت الحكمة، والمدارس النظامية، وحركة الترجمة في تهيئة نهضة معرفية، لم تضيء العالم الإسلامي فحسب، بل مهّدت لعصر الأنوار الأوروبي.

وفي زمن تعثّر فيه الحاضر، تُطرح الأسئلة بشجاعة:

هل كانت أسباب الانحسار داخلية أم بفعل الغزو الخارجي؟

ما علاقة الانغلاق الفقهي والسياسي بتوقف الإبداع؟

وهل نملك اليوم أدوات استعادة تلك الروح الحضارية؟

أسئلة نطرحها بجرأة ومسؤولية، لنضع التراث في ميزان الوعي لا الوهم، في حوار لا يجمّل ولا يدين، بل يقرأ ويعيد التفكيك.

 تابعوا الجزء الثاني من الحوار عبر صفحاتنا الرسمية وموقعنا قريبًا، وكونوا معنا في رحلة استكشاف التاريخ بمنظار الحاضر:

 

١ـ كيف ساهمت البيئة العربية والإسلامية في إنتاج واحدة من أعظم الحضارات في العصور الوسطى؟ 

 

   الحضارة هي ثمرة الجهد الذي يقوم به الإنسان في كل عصر من أجل الوصول لهذه الثمرة سواء كانت هذه الثمرة مادية أم معنوية، بقصد أو بغير قصد، أي أنها طراز حياتي يمثل مجموعة من الاستجابات والملائمة المعيشية الذي يسيطر على المجتمعات، فالحضارة هنا تمثل هوية من يدينون بها أو ارتضوها نمطًا لحياتهم.

   إن الحضارة الإسلامية هي إجمالي ما قدمه الإسلام للجنس البشري من خلال تفاعل ثقافات الشعوب التي أظلها تحت حكمه، سواء بالإيمان أو التصديق أو الاعتقاد أو الانتماء أو الولاء أو الانتساب، ولذا فهي حضارة الجديد والمبتكر، وهو ما يمثل الجزء الأصيل من هذه الحضارة التي تتميز بأن مصدرها الوحيد النابع من الدين الإسلامي، بما أدخله المسلمون من امتداد وتحسين وتعديل وتصحيح على الفكر البشري وتسمى حضارة البعث والإحياء طبقًا لهذا المفهوم، لكن يقف الخلاف دوما بين المفكرين والمنظرين حول سؤال عن هوية حضارتنا: هل هي عربية أم إسلامية، وهل كان للدين دوره الأكيد الذي جمع العرب والمسلمين عليه وساهم في بناء الحضارة العربية الإسلامية؟ أم مجرد النقل عن الحضارات السابقة هو الذي كان له الفضل الأكبر في بناء أعظم حضارة إنسانية في العصور الوسطى؟ 

وأرى أن حضارتنا تسيدت العصور الوسطى من خلال: نشر العلم والمعرفة، وازدهار الفنون والعلوم، واتساع حجم ونشاط التجارة، ووعيها بأهمية قيامها بدورها في الحفاظ على التراث الإنساني للحضارات القديمة: اليونانية، والرومانية، والفارسية، والهندية وترجمته إلى العربية ثم نقل العلوم إلى الغرب.

 

٢ـ ما دور الإسلام كمحرّك حضاري وثقافي لا كدين فقط؟ وكيف حفّز على إنتاج العلوم والفنون والفكر؟ 

 

  لم يكن الإسلام محركًا للحضارة والثقافة بل هو ـ في الأساس ـ دين حضاري قام على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة؛ فأخرج أول حضارة تنادي بالإله الواحد ولم تغفل عن دورها الروحي والمادي في حياة البشر، ولقد عمل المستشرقون على ذيوع شبهات تنفي عن الإسلام حب العلم، ومحاربة الفنون، وحرب الأمور العقلية، والآيات الواردات في كتاب الله تعالى تنفيها جملة وتفصيلا.

   كما أن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وتحبيبهم في العلم، وتفضيل الأعلم منهم وتقديمه على غيره في إدارة الدولة، وقيادة شؤون الجهاد والسرايا، وتحصيل الأموال وتوزيعها، وفي الحكم والقضاء يقف خير شاهد على أن الإسلام دين يحض على العلم والعمل وهما أساس بناء الحضارة، وتكليف المسلم بإعمار الأرض وما يستلزمه هذا العمران من القرار الذي يستلزم البناء ولا ينفي أن تكون الأبنية مقترنة بالجمال فالله جميل يحب الجمال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بذلك، والعمران يستلزم معرفة فنون الزراعة، وقواعد التجارة، والحوار مع الآخر، وقبوله في الجوار، وكلها مؤكدات وشواهد على مدى قابلية الإسلام للاتساع والتمدد جغرافيا وتاريخيا وتأثيرا وتأثرا.  

 

٣ـ ما أثر الرسالة المحمدية في نقل العرب من ثقافة شفاهية إلى أمة تدوين وتوثيق؟ 

 

   كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن العرب لا يعرفون التدوين على الرغم من وجود القبائل التي كان لها تاريخها الشفهي من الحروب والانتصارات، كما كان يعلم مدى أهمية الكتابة على الرغم من كونه نبي أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة وهي ليست منقصة في حقه بل معجزة تناولتها في كتابي: “الإعجاز البشري للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان من العرب المكيين من كان يعرف القراءة والكتابة؛ فقد استعملوا الكتابة في أعمالهم التجارية وفي تسجيل أحداثهم اليومية، وكتب بعض أهل الحجاز بالخط السرياني، وكتب بعضهم بخط أهل اليمن المعروف بالمسند الحميري، ومع كون الكتابة معروفة في الجاهلية إلا أنها لم تكن مألوفة وخاصة في البادية.

   من المهم أن أقول أن بدايات التدوين عند العرب بدأت بتدوين القرآن الكريم، وحرص صلى الله عليه وسلم بعد انتصاره في غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة ووقوع عدد من الكفار أسرى في أيدي المسلمين، أن جعل فداءَهم تعليمَ الكتابة للغلمان لمن لم يفتدِ نفسه بماله؛ إذ لم يكن في الأنصار أحد يحسن الكتابة، ولم يكن يُطلق هؤلاء الأسرى إِلا بعد أن يتموا مهمتهم على خير وجه، وبذلك كثر من يكتبون، وانتشرت الكتابة في كلِّ ناحيةٍ فتحها الإِسلام في العهد النبوي، حتى بلغ عدد كتابه عليه السلام ثلاثة وأربعين رجلًا، وبعد كتابة القرآن، كتب العرب الحديث النبوي، ثم عرفوا التدوين التاريخي، وكتبوا الشعر الجاهلي والنبطي، ومن خلال توثيقهم للحديث الشريف بالإسناد كان تدوينهم للأخبار بالتوثيق والإسناد كذلك مما أكسب ما يدونونه دقة وصدقا.

 

٤ـ كيف أثّر الفقه الإسلامي والتشريع في بناء أنظمة سياسية وقانونية متماسكة؟ 

 

هذا سؤال يحتاج لإجابة طويلة قد تصل إلى حد الدراسة؛ فالفقه والتشريع يرتبطان ارتباطا وثيقا بالمجتمع لكونهما يشكلان المرجع الرئيس في صياغة القوانين من ناحية وتوجيه السياسات في بعض الدول العربية والإسلامية من ناحية أخرى، ذلك أن الفقه الإسلامي له عدد من المبادئ، مثل: الشورى والعدل والمسؤولية التي تشكل أسس الحكم الرشيد، والأساس اللازم لبناء نظام سياسي إسلامي يساهم في توجيه السياسات العامة التي تحدد الأولويات والمصالح التي يجب أن تعمل الدول لتحقيقها. 

 أما التشريع فهو القواعد القانونية الملزمة لتنظيم العلاقات في المجتمع والتي تقوم السلطة المختصة في الدولة بوضعها في صورة مكتوبة، ويُعد الفقه الإسلامي مصدرًا هامًا للتشريع، حيث يسترشد به المشرعون في صياغة القوانين التي تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ويضفي الشرعية على الأنظمة السياسية من خلال تأكيد التزامها بالمبادئ والقيم الإسلامية باعتبارها المصدر الأساسي للتشريع، ومن خلال الفقه الإسلامي أو أصوله والتشريعات المنبثقة منه.

 

٥ـ ما الدور الذي لعبته الفلسفة وعلم الكلام في تنمية الحس النقدي والعقلي داخل الحضارة الإسلامية؟ 

 

  من المؤكد أن الفلسفة وعلم الكلام لعبا دوراً محورياً في تطوير الحس النقدي والعقلي داخل الحضارة الإسلامية؛ فهما يشجعان التفكير المنطقي والتحليل النقدي للمعتقدات والقضايا الدينية والفكرية، كما ساهمت الفلسفة في إثراء النقاشات العقلية وتوسيع آفاق التفكير، بينما سعى علم الكلام إلى تأسيس إطار عقلي للدفاع عن العقيدة الإسلامية، مما أدى إلى نشوء حوارات فكرية غنية أثرت الثقافة الإسلامية، وأنوه بأنه على الرغم من وجود اختلافات بين الفلسفة وعلم الكلام من ناحية الموضوع والمنهج والغاية، إلا أننا لا يمكن أن ننفي وجود علاقة تكاملية بينهما يظهرها وجود الكثير من الفلاسفة المسلمين الذين كانوا علماء كلام.

   والواجب يقتضي التعريف بعلم الكلام، وموقف علماء الإسلام منه؛ فعلى الرغم من أن علم الكلام علم إسلامي خالص في نشأته ومناهجه ووسائله وأهدافه، واعتبره البعض علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، لكونه علم يتضمن الدفاع والمحاججة عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، إلا أن طائفة من علماء الإسلام نهت عن تعلمه إلا لمن له قدم صدق وقوة تامة في مسالك التحقيق لكي لا يقع في الشك أو الريبة. 

    وإذا كان علم الكلام يدافع ـ كما ذكرت ـ عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المنحرفين في اعتقاداتهم، فالفلسفة مهمتها تكمن في العلم بحقائق الأشياء، أو البحث عن الحقيقة دون أن يعنيها الوصول إليها، وهو الأمر الذي يلفت الانتباه إلى التباين بين علم الكلام والفلسفة، من حيث الموضوعات غير أنهما يعتمدان على المنهج العقلي عبر الحجج والبراهين العقلية، إلا أن الفلسفة تطرح قضاياها الميتافيزيقية بحرية تامة بعيدا عن أية سلطة دينية من خلال البحث عن العلل والأسباب الأولى لكل ما هو موجود.

   ويرى البعض أن علم الكلام هو الذي مهد الطريق للفلسفة في المجتمع الإسلامي، مثلما دعمت الفلسفة علم الكلام، خاصة عند احتكاك المسلمين بالثقافات والملل المخالفة للتوحيد، فيما دعت الحاجة للدفاع عن العقيدة الإسلامية ليس بالقرآن الكريم وحده بل إضافة مصادر أخرى ومنها الفلسفة اليونانية التي استعان بها أوائل المعتزلة وكان لهم الفضل في إدخالها أجواء الفكر الإسلامي، وجاء من بعدهم الأشاعرة ونزعوا نحو الفكر العقلاني، وهو ما عزز التفكير النقدي عند المسلمين لاتكائهم على الفلسفة ومناهج التفكير المنطقي والاستدلال العقلي، الأمر الذي شجعهم على تقييم ومقارنة المعتقدات والأفكار بشكل نقدي، وساهمت الترجمة في توسيع آفاقهم الفكرية وصولا لتأسيسهم علم مقارنة الأديان وإقامة المناظرات بينهم وبين أهل الديانات الأخرى، وقد أثبتُ هذا في كتابي: “الكون والإنسان في التكوين والقرآن في ضوء مقارنة الأديان”.

 

 ٦ـ ما مكانة الفنون الإسلامية (كالخط، العمارة، الزخرفة) في التعبير عن هوية حضارية عميقة؟ 

 

   لقد كانت الفنون الإسلامية، تجسيدًا للقيم والمفاهيم الإسلامية التي تعكس رؤيتها للعالم والكون، بل ساهمت في تشكيل الوعي والهوية لدى الأفراد والمجتمعات، كما كانت ـ بالفعل ـ تعبيرًا عميقًا عن الهوية الحضارية الإسلامية؛ فهي ليست مجرد أعمال فنية، خاصة عند ارتباط بعضها بالمصحف الشريف الذي لا يزال محل الاهتمام الأمثل عند عموم المسلمين الذين حرصوا على توظيف أجمل ما لديهم من فنون في خدمته وتزيينه، الأمر الذي مهد الطريق لظهور العديد من الفنون، ومنها فن الخط العربي بأنواعه التي ساهمت في تجميل كتابة آياته وتجويدها بأجمل الخطوط، وفن التذهيب، وفن التجليد، ولم تكن الزخرفة تبعًا لفن العمارة فقط بل شملت استخدام العديد من العناصر الزخرفية الإسلامية، مثل: الأرابيسك والنقوش الهندسية والنباتية، لتزيين صفحات المصحف وإطاراته.  

    لقد كانت للعرب فنونهم في العمارة قبل الإسلام، وفي زمن الفتوحات اتصلوا بالحضارات وأثروا وتأثروا، ومن خلال هذا الانصهار الحضاري ظهر فنًا جديدًا جمع بين الفنون المعمارية كلها، ثم خرج فنًا يتميز بوحدة تعبيراته الفنية وحدة قوية، وكانت العمارة أول فن ظهرت فيه ملامح الفن الإسلامي الفريد، وكان منشأ هذا الفن المسجد النبوي الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، غير أن ملامح كثيرة من وحدة العقيدة تركت أثرها في الفنان المسلم.

  كما عكست العمارة الإسلامية القيم الإسلامية الصالحة لكل مكان وزمان؛ فهي تعبير عن الهوية الإسلامية وتاريخها، واعتمدت على مبدأي التوازن والانسجام بين الجمال والوظيفة مبنى ومعنى، دون التخلي عن البساطة ولم تتنازل عن الإبهار الذي يأخذ بالقلوب والألباب، ويملأ النفس خشوعًا وجلال حين تشكلت الزخرفة الإسلامية من خلال استخدام الأشكال الهندسية البعيدة عن تجسيد الكائنات الحية، وبرز فيها عنصري التكامل والترابط تعبيرًا عن الشخصية والذاتية والفردانية والهوية الإسلامية.

 

٧ـ معالي الدكتور.. لم يغب البعد الإنساني عن أو في الحضارة الإسلامية.. فهل يمكننا إلقاء الضوء على بعض مظاهر هذا البعد؟  

 

   دعيني أسجل كاتبتنا الكبيرة مدى إعجابي بهذه الأسئلة الثقيلة التي تم إعدادها بعناية، ويصلح كل سؤال منها ليكون مبحثا أو فصلا أو دراسة في ذاته، كما أن هذا السؤال يأتي دعما لعنوان الحوار الحالي: “التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة”.

   في التدافع الإنساني نحو إعلاء القيم المادية وإشباع الرغبات بغض النظر عن فقد البشرية اليوم للتراحم والتكافل والتعاضد، تبدو الحاجة أكثر لإبراز البعد الإنساني في الحضارة الإسلامية التي في أصلها حضارة إنسانية الجذور .. مغروسة في قرآننا الكريم، وفي سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. والإنسانية حسب المفهوم الإسلامي هي كل ما يوافق الفطرة البشرية ويناسبها، وكمال هذه الفطرة وغاية الغاليات منها هو تمام العبودية لله تعالى، والإسلام لا تتناقض فيه الربانية مع الإنسانية؛ فغاية الإنسان بعامة والإنسان المسلم بخاصة هو التوجه لله تعالى وابتغاء مرضاته، والإنسان في الإسلام ليس ندًا لله ولا يمكن أن يكون؛ فالإنسان في الإسلام مخلوق ذو مكانة خاصة لكونه أكرم المخلوقات على الله تعالى، ومن هنا تنطلق النظرة الإسلامية الشاملة في توجهها الكلي الذي يتجلى في مفهومها لمبدأ “الإخاء البشري” الذي يستند على الإخاء والمساواة والحرية والتي تطبقه واقعا وليس شعارا.

   تتميز الحضارة الإسلامية بخصائص عديدة لا تجعلها تتلاقى مع حضارة أخرى؛ إذ هي حضارة تنبع من إيمان مرهون بعقيدتها الإسلامية، وعالمية في إنسانيتها لا تعرف جغرافيا تحدها، ولا تاريخ يشملها، وحضارة عطاءة بقدر ما تأثرت أثرت، وبقدر ما أخذت أعطت، ومن أهم خصائصها التوازن بين المادي والروحي، من غير إفراط ولا تفريط، وآخر الخصائص أنها حضارة لا تعرف الموت أو الذبول بل هي باقية ما بقيت الحياة أرضًا وبشرًا. 

 يظهر البعد الإنساني للحضارة الإسلامية ليس بما أسهمت به في مجال العلوم والفكر والفلسفة والشواهد فيها أكثر من أن تحصر، وإنما تبدو هذه المظاهر جلية في القواعد والمبادئ التي ساهمت بها في توجيه وإرشاد النوع الإنساني كله إلى الإنسانية الحقة وكيف تكون، ولا سبيل لحصرها، غير أنه من الممكن أن أعدد هذه المظاهر: التوحيد .. عقيدة رد بها الإسلام الإنسانية لعبادة الإله الحق، الإخاء البشري والمساواة بين الناس جميعًا، إعادة الكرامة والاعتبار للمرأة ومنحها حقوقها، إعلاء شأن الكرامة الإنسانية ورفعة قدر الإنسان، وإعادة البشرية إلى الأمل في رحمة الله تعالى.

  جاءت الحضارة الإسلامية نبتة في أرض الإسلام الخصبة، نقلت عنه تأي الإسلام ـ خصائصها وتفردها، كما ساهم العلماء المسلمين في الحضارة الإنسانية بإسهامات وافرة وعميقة خرجت أيضًا من رحم الدين الإسلامي، ولئن شارك أبناء الحضارات الأخرى العلماء المسلمين في حمل أمانة العلم، إلا أنهم لم يظهر لهم دور قبل ظهور الإسلام، ولئن شارك المسلمون غيرهم علومهم بالنقل ثم بالتصحيح والإضافة، إلا أنهم تفردوا في علوم خاصةً بهم أنشأوها إنشاءً لم يضع غيرهم فيها من علماء الأمم والحضارات السابقة لبنة فيها، فظهور المنهج التجريبي وتطبيقاته منهجًا علميًا إسلاميا خالصًا، كما أن علم أصول الفقه علم إسلامي خالص خلوص الذهب، كما ظهر أثر العقيدة الإسلامية على علمائها حين ساهموا بإسهاماتهم العظيمة في علم الفلك، مثلما نبغوا في علم الطب والجراحة وقت أن حرمت الكنيسة الغربية على علمائها الاشتغال به.

   كاتبتنا الكبيرة: لقد كان طموحك كبيرا حين ظننتِ أن هذا الجزء يستطيع الإلمام بتناول دور مؤسسات كـ بيت الحكمة، والمدارس النظامية، وحركة الترجمة في تهيئة نهضة معرفية، لم تضيء العالم الإسلامي فحسب، بل مهّدت لعصر الأنوار الأوروبي، والإجابة عن أسئلتك الشجاعة بشجاعة توازيها أيضا التي تتناول: أسباب الانحسار الحضاري وهل هي داخلية أم بفعل الغزو الخارجي؟ وما علاقة الانغلاق الفقهي والسياسي بتوقف الإبداع؟ وهل نملك اليوم أدوات استعادة تلك الروح الحضارية؟   

  حتى لا أرهق قارئك العزيز بطول وعمق حوارنا، أجيبك إجمالا على أن يكون التفصيل في الجزء القادم إن شاء الله، وأقول بملء القلب والفم: كان لبيت الحكمة والمدارس النظامية دورها في ازدهار حضارتنا وتميزها وتفردها، ولا يمكن عزل الترجمة عن بيت الحكمة، والترجمة هنا في النقل عن اليونان وغيرهم من الحضارات السابقة، والترجمة أيضا عن العرب والمسلمين وهو ما ساهم في التمهيد لعصر الأنوار، وأسباب الانحسار الحضاري يتداخل فيها الداخل والخارج معا ليشكلا ردة حضارية أو انتهاء دور حضاري لتبدأ الإنسانية حضارة جديدة وليس في هذا ما يعيب، وقد يكون لانغلاق بعض الفقهاء ـ وليس الفقه ـ في بعض الأزمنة والأنظمة دوره في تقهقر الإبداع وإن لم يكن بشكلٍ عام، ومن المؤكد أن أمتنا لم يمت فيها روح العلم والحضارة وتملك بالفعل أسباب نهضتها، واستعادة مجدها ولكن ليس بالضرورة على صورتها الأولى، كما يجب التنبه لأيدي الغرب واليهود التي تحول دون هذا، والشواهد على ذلك كثيرة ومريرة ولكن المحاولة والتكرار في تجاوز المحنة والأزمة أفضل من الركون والقعود والتسليم بالواقع، وكما ذكرتُ من قبل أن حضارتنا الإسلامية لا تعرف الموت أو الذبول بل هي باقية ما بقيت الحياة أرضًا وبشرًا.

……………… 

 

وختاما ً وبكل اعتزاز وامتنان، نُسدل الستار على الجزء الثاني من هذا الحوار العميق، الذي أبحرنا فيه مع المفكر الموسوعي الدكتور السيد إبراهيم أحمد، عبر محطات التاريخ والفكر والتراث، لنتأمل معًا ملامح حضارة صنعت المجد وارتقت بالإنسان.

فكان لقاؤنا هذا، كما في الحوارات السابقة، ليس مجرد سرد معرفي، بل كان عملاً فكريًا مشتركًا، أعاد قراءة التراث بمنهجية علمية ووعي حضاري مسؤول، وفتح أمامنا آفاقًا جديدة للفهم والتأمل.

 

وإنه لمن دواعي فخري واعتزازي، أن أستمر في هذا المسار الحواري الراقي مع قامة فكرية موسوعية بحجم الدكتور السيد إبراهيم، الذي أتحفنا بعلمه الغزير، وعمقه التحليلي، ورؤيته المتزنة التي تنبع من عقل مفكر وبصيرة باحث وضمير مثقف.

 

على موعد معكم بإذن الله في الأجزاء القادمة، لنكمل هذه الرحلة المعرفية الثرية، ونواصل معًا فتح نوافذ الوعي نحو ماضٍ يضيء الحاضر، ويستشرف المستقبل بثقة وجدارة.

شاهد أيضاً

سيّد الضمير

سيّد الضمير كتبت هبه هيكل  يا سيّدَ الضميرْ… ويا مقامَ النورْ يا صاحبَ الأفعالْ… لا …