التطور في البحث المتجدد

 

عبدالواحد الجاسم

توجد فوارق بين علاقة الفلسفة والكلام بالفهم من جهة، وعلاقة العلوم الطبيعية والإنسانية بهذا الفهم من جهة ثانية.

فقضايا الفلسفة والكلام هي قضايا دائرية لانغلاقها، وبالتالي تعاد المسائل وتتكرر من حيث الإجابة دون ان تفضي إلى تقدم واضح. فالجديد لا يحل محل القديم إلا بالقدر الذي تؤثر فيه الإعتبارات الواقعية، وكل ذلك له انعكاساته على الفهم ؛
مما يجعله يراوح محله دون تقدم. وعلى العكس من ذلك قضايا العلم الذي يخضع للتطور والتغيير، مما له انعكاساته على هذا الفهم.
وهو ما يعني ان من الممكن ان يتقدم التحقيق في الفهم عبر التطور العلمي، في حين لا يتحقق ذلك في حالة العلاقة مع المنظومات المتقدمه المجردة كالفلسفة والكلام وغيرهما.
وكل ذلك يعود إلى ما للواقع من تأثير، فالتطور الحاصل في الفهم يدين إلى ما يحدث في الواقع ذاته، وان العلم كاشف عن الأخير، خلافاً للمنظومات المجردة والمغلقة كالفلسفة والكلام.
واذا حللنا الأمر نجد ان قبليات العلم تختلف عن قبليات هذه المنظومات، فالاولى تمتاز بأن منها ما هو مشترك محايد كمبدأ الإستقراء، كما منها ما يعود إلى القبليات المفترضة للكشف عن الواقع، وان من مبادئ العلم التحقيق والمراجعة المستمرة، وكل ذلك لا يتوفر لدى المنظومات المشار إليها، وهو ما يجعل العلاقة بينهما وبين الفهم علاقة مختلفة تماماً.

سؤال :

هل يمكن خلق حالة من تطور الفهم الديني (التحقيقي) كما يجري في الإطار العلمي، مع التغافل عن مشكلة (الإعتراف الجمعي) الذي يصعب تحقيقه في الفهم، حتى لدى دائرة المذهب الواحد؟

بعبارة أخرى:

هل هناك خطوات عملية يمكنها ان تدفع بالفهم (التحقيقي) نحو التقدم والتطور؟

الجواب :

ان أهم خطوات دفع الفهم الديني نحو التقدم والتطور، هي ان تكون هناك معايير مناسبة نتقبل على ضوئها بعض الاصناف من النظم والمناهج دون البعض الآخر.
فلا بد من وجود (معيارين هامين)، أحدهما يكفل الحفاظ على عدم تعدي دائرة الفهم للحدود الدينية اليقينة منطقياً.

والآخر معني بالقدرة على التحقيق الخارجي للفهم، أي التحقيق من خلال اجراءات لا علاقة لها بالألفاظ المفصلة للنص، بل يساهم فيها الواقع مع جملة عناصر أخرى مهمة للتحقيق.

وينص المعيار الأول على ان ما يتطلبه الفهم هو الإتساق مع الحقائق الاصلية للخطاب الديني.
إذ الصدام مع هذه الحقائق يفضي بالفهم إلى المعارضة مع يقين الدائرة الدينية، مما يجعل الفهم مقاطعاً للدين وبديلاً عنه. ولا نقصد باليقين .

التطابق مع الحقيقة الخارجية، أو نفس الأمر بحسب تعبير الفلاسفة القدماء، بل ما يؤكده الدين ذاته.
وبالتالي فالصدام مع الحقائق الاصلية للدين يؤكد الاسقاطات القسرية على حساب الدلالات المتواترة كما يثبتها النص ذاته. الأمر الذي يوجب التحفظ من النظم والمناهج المولدة للانساق غير المتسقة منطقياً مع تلك الحقائق.

اما المعيار الثاني فيتعلق بالقابلية على التحقيق الخارجي مما يجعل الفهم قابلاً للتقدم والتطور.
وهو ينص على ضرورة التحفظ من النظم المغلقة المجردة التي لا تقبل التحقيق.
أي ضرورة التحفظ من النظم الجاهزة والقائمة على القبليات الخاصة المتصفة بالانغلاق.
إذ أي اعتماد على هذه النظم فإنه يفضي إلى جعل الفهم يدور دوراناً من غير تقدم.

بعض اراء الباحثين

كثير من الناس يتصور بأن العلم يقف قبال الدين، فقد يتفقان أو يتعارضان.
ومن الناحية المنطقية ان هذا الطرح لا يخلو من خلل، فهو لا يعبّر عن طبيعة ما يجب ان يكون عليه الموقف بين الطرفين.
فالعلم هو ادراك لموضوع خارجي يطلق عليه الطبيعة. والدين هو الموضوع الخارجي، أو المدرك الذي يحتاج لادراكه عنصر ما نسميه الفهم.

فالفهم هنا يقف بازاء العلم، والدين يقف بازاء الطبيعة. فكلا الموضوعين الأخيرين يعبران عن شيئين خارجيين مقارنة بالادراك المتمثل بالعلم أو الفهم. ورغم ان هذا الحال واضح منطقياً إلا ان غالب الباحثين لم يلتفتوا اليه، فألبسوا الفهم بالدين، والعلم بالحقيقة الموضوعية.

قد يكون العلم في توافق أو تعارض مع الدين، لكن قبل ذلك يصادف العلم الفهم قبل مصادفته للدين.
وبالتالي فقد تكون المشكلة بالعلم أو بالفهم دون الدين والطبيعة.
فهناك مرحلة سابقة للفهم على الدين، والعلم على الطبيعة، لتقدم ماهية الشيء على وجوده من الناحية الابستيمية أو المعرفية، أو لكون الثبوت يأتي متأخراً عن الاثبات في الادراك، رغم ان الحقيقة الموضوعية هي العكس بالضبط.
بمعنى اننا نواجه في البداية ما مطروح من فهم وعلم، ولا نواجه ديناً وطبيعة رغم سبق ثبوتهما من الناحية الانطلوجية أو الوجودية.
واذا كانت مهمة الفهم والعلم تتحدد بامتثال ما لدى الدين والطبيعة، فإن هذا الامتثال قد لا يكون مطابقاً للاصل بعد التحول مما هو موضوعي إلى ما هو ذاتي، أو مما هو انطلوجي إلى ما هو ابستيمي.

الخلاصه :

أن الإشكالية العلمية ليست معنية بالتطابق مع الطبيعة، فسينعكس الأمر على العلاقة مع الدين.
ففي هذه الحالة لا يمكننا محاكمة الدين من منطق العلم.

فقد يكون العلم غارقاً في الذاتية وبعيداً عن الموضوعية المعبرة عن كنه الطبيعة وجوهرها.

فمثلما لا يصح الخلط بين فهم رجال الدين والدين ذاته، فكذا لا يصح الخلط بين علماء الطبيعة والطبيعة ذاتها، فلكل من الطرفين رؤية تأويلية، قد تعارضها رؤى أخرى مماثلة.

 


 

شاهد أيضاً

كيف حاولت قطر تلميع صورتها داخل إسرائيل على حساب مصر؟

كيف حاولت قطر تلميع صورتها داخل إسرائيل على حساب مصر؟ كتب/ أيمن بحر تعالى أقولك …