البراغماتيه والوضعيه الحقيقيه

عبدالواحد الجاسم

لقد بدأ العلم الحديث وهو يشهد الإختلاف بين النزعتين البراغماتية والوضعية.

في الوقت الذي كان ناشر كتاب كوبرنيك واتباعه يرون بأن النظرية المطروحة هي مجرد تسهيل للحسابات الفلكية دون ان يعنى بها الكشف عن الحقيقة الخارجية، فإن علماء من أمثال (كبلر وغاليلو ونيوتن) رأوا ان هذه النظرية تعبّر عن حقيقة صادقة وليس مجرد إفتراض لتسهيل الحسابات الفلكية. ومنذ ذلك الوقت وحتى نهاية القرن التاسع عشر كان التصور بأن ما يقدمه العلم من نتائج دقيقة بفضل المنظومة النيوتنية لهو خير دليل على خاصية الكشف الحقيقية. لكنه ما ان حل القرن الماضي حتى أخذت النظرة العلمية للامور تتغير شيئاً فشيئاً، ومن ثم أصبح الاعتقاد يترسخ بأن العلم لا يعبّر في تنبؤاته وكشوفاته عن حقائق الأمور بقدر ما يعبّر عن الكيانات النظرية والنزعة الأداتية والإعتبارات النفعية البراغماتية.
وقد كان الفيزيائي ادنجتون يؤكد بأن العقل البشري هو من يصنع أفكار المكتشفات من غير رؤيتها ودون ان يدل ذلك على حقيقتها، فهو بحسب وصفه كالفنان يصنع في ذهنه ما يريد تشكيله.
وقد طبق ذلك على إكتشاف (رذرفورد) للنواة مع أنه لم يرها أحد، كذلك البوزيترون وايضاً النيترينو الذي كان يشك في وجوده، وهو يرى ان التجريبيين ليس لديهم البراعة الكافية لصنع النيوترينوات .

ان ما يعزز الروح البراغماتية للعلم هو استناده إلى التعميمات ذاتها، فهي تشكل صلب نسيج العلم الحديث، رغم الاعتقاد السائد بأن التعميم لا يجد له تبريراً على الصعيد المنطقي، لا سيما بعد ان كشف (ديفيد هيوم )عن تهافته خلال القرن الثامن عشر، وبعد ان تبنت الوضعية المنطقية الموقف السلبي اتجاه هذه التعميمات من الناحية المنطقية خلال القرن العشرين، فهذه التعميمات غير مقبولة لديها، إلى درجة ان البعض يراها قضايا لا معنى لها. لكن مع ذلك اصرّ العلم على ضرورة الأخذ بهذه التعميمات لاهميتها، حتى وان وجدت بعض الشواهد التي تكذبها أو تتنافى معها.
فقد اظهر العلم أنه يغض الطرف عن الشواهد السلبية للتعميمات، ويعتبرها وكأنها غير موجودة، أو أنها لا تعنيه ما لم تكن هناك نظرية تعميمية افضل. وكل ذلك يفرض الجانب البراغماتي على العلم حتى في مسلكه الوضعي أو الواقعي الذي ساد منذ النهضة العلمية وحتى بداية القرن العشرين، كالذي يتبين من شواهد الشذوذ التي ألِفها العلم دون ان يضطره الأمر إلى تكذيب النظرية، أي خلاف ما كان يتبناه كارل بوبر في نزعته التكذيبية المعروفة.

يواجه العلم خلافاً بين النزعتين البراغماتية والوضعية، فالأولى تؤكد بأن النظريات العلمية تتحدث عن أمور لا علاقة لها بالواقع الفعلي، أو أنها ليست بصدد تقرير حقائق الواقع فيما يخص الظواهر غير المباشرة. واعتماداً على هذه النزعة فإنه لا يوجد دليل يمكن تبريره للكشف عن الأشياء غير المشاهدة،

كالدليل على وجود شخص خلف هذا الجدار مثلاً.

وأقوى تطبيق لهذه النظرية ما يتعلق بالجسيمات غير المرئية كالإلكترونات وما إليها.
فالرصد يكون في مثل هذه الحالات رصداً غير مباشر، مثل رؤية نقطة سوداء على لوح فوتوغرافي، أو سماع قعقعة صوتية لعداد ، أو مشاهدة اثار الجسيم في غرف الفقاقيع لدى المسرعات أو المصادمات؛ فمن خلال معرفة ثخن المسار وانحنائه يتم التعرف على طبيعة الجسيم الذي يكوّن هذا المسار، وهي اشبه بالطريقة التي تخلّف فيها طائرة نفاثة ذيلاً في السماء .

ويطلق على المذهب الذي يتبنى هذه النظرية بالـ (Reductionism) ويسمي تلك الأشياء غير المرئية بالتركيبات المنطقية أو الكيانات النظرية (theoretical entities)، فليس ثمة دليل على وجودها، وإنما هي اختراعات ذهنية فحسب.

ومن امثلة من يتبنى هذه الرؤية( برتراند رسل) في كتابه (مقدمة إلى فلسفة الرياضيات) (ووليم نيل) في كتابه (الإحتمال والإستقراء) .
ويخالف هذه النزعة من يرى ان العلم يتحدث عن أشياء واقعية حقيقية وان لم تثبتها التجربة والمشاهدة.
فلو سئل الطرفان عما إذا كانت الجسيمات المجهرية بحسب الوصف العلمي موجودة أم لا؛ لكانت اجابتهما مختلفة، فبحسب النظرة البراغماتية ان هناك حوادث تخضع للملاحظة في غرف الإختبار، وهي يمكن وصفها (بدوال رياضية) معينة ضمن نظام نظري محدد، وكل ذلك لا علاقة له بحقيقة هذه الجسيمات ان كانت موجودة بالفعل كما هو الوصف العلمي أم لا.
ويمكن التعبير عن هذا الإتجاه بما سبق إليه الفيلسوف الهولندي( اسبينوزا )خلال القرن السابع عشر، وهو قوله: (((العلم صادق لأنه ناجح، وليس ناجحاً لأنه صادق))) .
في حين ان النظرة الوضعية تخالف تلك الاجابة وترى ان العلم يتحدث عن كيانات موجودة بوسعه اثباتها عندما تحين الادوات المناسبة، مثلما اثبت أشياء عديدة كانت تعز على الرؤية والمشاهدة، كالخلية والفيروس والجزيء والذرة وما إلى ذلك، لدرجة ان (ارنست ماخ )كان يعارض التفكير في الجزيء أو الذرة بوصفه شيئاً موجوداً، واعلن ذات مرة أنه (((محض خيال لا قيمة له)))، في حين أنه اليوم امكن تصويره فوتوغرافياً، ويمكن ان ينطبق الأمر على كل إكتشاف جديد لجسيم مجهري أو كيان فلكي .

 

شاهد أيضاً

كيف حاولت قطر تلميع صورتها داخل إسرائيل على حساب مصر؟

كيف حاولت قطر تلميع صورتها داخل إسرائيل على حساب مصر؟ كتب/ أيمن بحر تعالى أقولك …