أخبار عاجلة

اعتــــرفات شكسبير Shakespeare’s Confessions

اعتــــرفات شكسبير Shakespeare’s Confessions

بقلم الأديب د.طارق رضوان جمعه

 

ماذا لو استطعنا إعادة الحياة لشخصيات شكسبير لتروى لنا حقيقة ما حدث لهم؟وماذا لو التقى شكسبير مع شهرزاد لنمزج الفن الروائى والكتابة المسرحية معاً، لنحتفل بلقاء الشرق والغرب الأدبى؟ هذا بالفعل ما حدث فى مسرحية “شكسبير يلتقي شهرزاد” ، فإن الشخصية الرئيسية النسائية لم تروي قصصها الشهيرة فحسب ، بل فتحت أيضاً بوابة الخيال من خلال استعادة “القصة المفقودة: الليلة التي قابلت فيها وليام شكسبير”. كانت تلك الليلة عندما التقوا واستكشفوا الأعمال الفنية لبعضهم البعض. كان مثل رحلة أخذت الجمهور من شهريار إلى ماكبث إلى قصص ألف ليلة وليلة وصولا إلى عالمنا اليوم. وهناك ميزة خاصة جدًا في المسرحية تتمثل في أن معظم الأحداث حدثت بين المتفرجين. وكذلك ضوء الشموع وعرض الدمى جعل المسرحية أكثر إبهارا.

 

كما ظهرت مسرحية “هذيانات شكسبير” تقدم نفسها كإعادة قراءة للتاريخ وإنصاف للذين هضم حقهم على يد شكسبير الذي يظهر في آخر المسرحية ويعترف بكل الجرائم التي ارتكبها؛ “فالتاريخ أضحوكة لمن يصدقه ودليل لمن يحلم به”. وعلى خشبة المسرح تعود جميع الشخصيات إلى الحياة كي تروي القصة الحقيقة دون تزييف، كل يعترف بأخطائه كأنهم وصلوا إلى يوم “الدينونة”. كل يقوم من رقدته بعد أن يصدر صوت مرعب تصعق منه شخصية وتقوم أخرى كي تروي ما حدث.

 

فهذه “جوليت” القاضية وهي تعترف بأخطائها: “ما بك يا أحكامي المعلقة؟ لماذا تجلدينني بأسواطك اللاذعة، صدقيني لقد غرر الحب بي فأذعنت له ولرغباته…”. وشكسبير يعترف بأنه لم يجد سيف فارس يقطع يده، أو من يطعن صدره بخنجر كي يمنعه من تزوير وتشويه صورة الأبرياء من أجل مجد أدبي يرى أنه كاذب.

 

قلب الحقائق وتزوير التاريخ

ما قام شكسبير بفعله بتحويله لـ”روميو” المحقق الوحشي، و”جوليت” القاضية الفاسدة إلى قصة حب رومانسية ترددها الأجيال، وكي يزرع الشك والكراهية، شرع في كتابة مسرحية “عطيل” وبدل معشوقته “ديدمونة” بـ”أوفيليا”، والعكس فعله مع “هاملت”، وجعل من “عطيل” همجياً في شكه مما دفعه إلى قتل حبيبته، فيما كتب مسرحية “هاملت” وبدل حبيبته من “أوفيليا” إلى “ديدمونة” وجعل من “هاملت” قاتلاً لأبيه. أما “شايلوك” المدعي العام المرتشي في هذه المسرحية فحوله في مسرحية “تاجر البندقية” إلى مراب، وشخصية “بتريشيوا” حاجب المحكمة المسكين حوله في مسرحية “ترويض النمرة” إلى شخصية تستطيع ترويض “كاثرين” المتمردة. أما شخصية “جرترود” المحامية النزيهة التي حاولت رفع التهمة الباطلة عن العشاق الأربعة فقد حولها في مسرحية “هاملت” إلى أم لهاملت تعاني من اضطراب في شخصيتها ما بين السعادة والحزن. أما “ياغو” مساعد المحقق “رميو” الذي باع ضميره وشهد شهادة زور في المحكمة بأن العشاق الأربعة قد مارسوا الرذيلة فقد حوله إلى شخصية حاقدة خبيثة في مسرحية “عطيل”.

 

ورغم الرؤية الجديدة التي تقدمها المسرحية فإنها لم تستطع التخلص من عالم شكسبير الأدبي وصراعات الزمن الذي كتبت فيه. ومن ذلك فكرة طغيان الجماعة على الفرد، فإذا كان هناك خيار ما بين التضحية بالنفس أو الجماعة، فعلى الفرد أن يختار المجموع، تلك الفكرة التي استمرت لقرون طويلة حتى جاء عصر النهضة وأعاد للفرد مكانته، الأمر الذي وثقت له فلسفة ديكارت الذي وصل إلى الوجود من خلال نفسه: “أنا أفكر إذاً أنا موجود”. فتلك الأنا كانت غائبة قبله. لذا قبل عصر النهضة لن نجد لوحة أو نحتاً عليه توقيع فنان؛ لأنه لم يكن هناك مكان لتلك الفردية، فالتوقيع الفني يعني أن هناك “أنا” وهناك “آخرين”. وهذا اللون من الصراع موجود داخل مسرحية “هذيانات شكسبير” ولم يستطع المؤلف التخلص من ربقته. ففي المسرحية يحاول “شايلوك” المدعي العام أو محامي الشيطان، أن يقنع المحامية “جرترود” المدافعة عن العشاق الأربعة (عطيل أوفيليا، هاملت ديدمونة) بأن تترك هذه القضية لأن الصالح العام يقتضي ذلك ومصلحة الدولة/ الجماعة فوق كل شيء: “تعلمين سيدتي أن القانون ما وجد بداية إلا لحماية الصالح العام ومن ثم الصالح الخاص، والدولة بأركانها الثلاثة مستفيدة منه، والصالح العام في قضيتنا سيدة جرتورد هو إدانة العاشقين الأربعة…”.

 

قدمت مسرحية “هذيانات شكسبير” صورة حية ذات مدلولات سياسية غير مباشرة عن آلية كتابة التاريخ وكيف يتم العبث به لصالح مجموعات معينة من أجل خلق وعي زائف. كما أن المسرحية اتخذت من أدب شكسبير قناعاً كي تعبر به عن قناعاتها إزاء ما يدور في اللحظة الآنية من التاريخ العربي.

 

قدّم شكسبير من خلال )مأساة عُطيل(، تحليلًا عميقًا لآلية الإيقاع بقائد عظيم أسود البشرة اسمه (عُطيل)، ضحية الغيرة على زوجته البيضاء المخلصة واسمها (دِزدمونة)، من خلال الشرّ الذي مارسه مساعده (إياغو)، حيث صوّر شكسبير “لذّة الشرّ” في الطبيعة البشرية في شخصيته، فاستغل “إياغو” نقاط الضعف لدى سيده “الشرقي” الغريب عن المجتمع الذي عاش فيه، فكان عُطيل ينتمي إلى ثقافة شرقية تختلف اختلافًا كليًا في معالجتها لمواضيع الحبّ والغيرة والخيانة والشرف عن نظيرتها الغربية. وما قدّمه شكسبير في ذلك العمل العظيم بات يُعرف الآن بالتشخيص النفسي بِ “اضطراب الغيرة المرضية” أو وهم الخيانة وأيضًا “متلازمة عُطيل”.. فقام بطل أهم أعمال شكسبير الفارس المقدام (عُطيل) بقتل زوجته وحبيبته (دِزديمونة) بنهاية درامية غير متوقعة بعد كل الحبّ والإخلاص الذي جمعهما، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم عُطيل وكم عُطيلة تملأ فضاء المجتمع العربي منذ ذلك التاريخ إلى الآن؟!

 

ونحن وإن أسقطنا ما بدر من عُطيل (الذكر) على جميع ذكور الماضي والحاضر، لن يستنكر المجتمع الذكوري ما أقدم على فعله؛ لأن ذكورة الرجل لا تكتمل إلاّ إذا قام بإسكات “الأفواه” التي تشير بأصابع الاتهام إلى سلوك زوجته أو حبيبته، حتى لو كانت مظلومة، ويُقدم على قتلها مُجبرًا حتى لو كان غير راغ

شاهد أيضاً

حفل ختام مسابقة بورسعيد الدولية لحفظ القران الكريم والابتهال الديني بالمركز الثقافي

متابعة : غـــــــــادة الغـــــــــــزاوى أعلن اللواء محب حبشي محافظ بورسعيد عن اتخاذ كافة الاستعدادات اللازمة …