بقلم ـ هبة هيكل

في قلب قطاع غزة، حيث تتزاحم المآسي وتتكاثف صور الألم، ارتقى ثلاثة صحفيين فلسطينيين وهم يؤدّون واجبهم المهني والإنساني: محمد صلاح قشطة، وعبد الرؤوف شعت، وأنس غنيم. لم يكونوا في ساحة معركة، بل في ساحة الحقيقة، يحملون الكاميرا والقلم ليشهدوا على ما يجري، فإذا بالقصف الإسرائيلي يطالهم ويُسكت أصواتهم إلى الأبد.
استهداف الصحفيين ليس حادثًا عابرًا ولا “خطأً” في حسابات الحرب، بل حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي طالت الإعلاميين في غزة. هؤلاء الشبان كانوا يوثّقون الواقع الإنساني القاسي الذي يعيشه المدنيون، ينقلون للعالم صورة الناس تحت القصف والحصار، ويؤمنون أن نقل الحقيقة واجب لا يقل قداسة عن أي واجب آخر. فجاءت الضربة لتقول إن الحقيقة نفسها باتت هدفًا.
محمد قشطة، وعبد الرؤوف شعت، وأنس غنيم، أسماء انضمّت إلى قائمة طويلة من الصحفيين الفلسطينيين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمهنتهم. لم يحملوا سلاحًا، ولم يهدّدوا أحدًا، بل حملوا أدوات الإعلام التي تكفلها القوانين الدولية وتحميها مواثيق حقوق الإنسان. ومع ذلك، سقطوا شهداء في مركبتهم خلال أداء عملهم، في مشهد يلخّص حجم المخاطر التي يواجهها الصحفي الفلسطيني يوميًا.
إن اغتيال الصحفيين لا يعني فقط فقدان أرواح بريئة، بل يعني أيضًا محاولة لطمس الرواية، وكسر عين الكاميرا، وإخراس الصوت الذي يفضح الجرائم وينقل معاناة المدنيين. فحين يُستهدف الإعلامي، يُستهدف حق العالم في المعرفة، وحق الضحايا في أن تُسمع قصصهم.
أمام هذا المشهد، تتجدد الأسئلة المؤلمة حول صمت المجتمع الدولي، وعجز المؤسسات المعنية بحماية الصحفيين عن ردع هذه الجرائم أو محاسبة مرتكبيها. فالقوانين التي تنص بوضوح على حماية الصحفيين في مناطق النزاع تبقى حبرًا على ورق، ما لم تُترجم إلى إجراءات حقيقية تضع حدًا لاستباحة دم الإعلاميين.
رحل محمد وعبد الرؤوف وأنس، لكن رسالتهم لم ترحل. ستبقى صورهم وكلماتهم شاهدًا على أن الصحافة في فلسطين ليست مهنة فحسب، بل فعل مقاومة، وأن من يحاول إسكات الحقيقة بالقوة إنما يؤكد، دون أن يدري، أهميتها وخطورتها عليه.
المجد للشهداء، والرحمة لأرواحهم، والعزاء لعائلاتهم وزملائهم. أمّا الحقيقة، فستبقى حيّة، مهما حاولوا قصفها.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج