-قصة قصيرة —
إنكسار
توقف على قارعة الطريق، يتراقص على نغمات تصدر من هنا وهناك، ينظر في عيون المارة لعلّه يجد بسمة عابرة تُطفئ شوقًا خامدًا بين أضلعه، أو يسأله أحدهم عن سبب قيامه بذلك، وهو رجل تخطى السبعين عامًا.
لكن لم يجد سوى نظرات نكرة ووجوه وسط الزحام، ضاعت سريعًا بعيدًا عنه.
انتقل إلى مكان جديد، يتراقص حاملاً عصاه، يضعها أرضًا ويتمايل حولها كالماضي، مكبًا على وجهه في حقول مظلمة لا تراى عيناه سوى أطياف مبهمة الملامح والوجدان.
يستمر في الرقص والنظر في وجوه الناس، لكنهم، كما سبقهم، كانوا كالغثاء،
لا يشغلهم الكهل الراقص.
تبدلت نظراته، وخفق قلبه للحظات ثقال، كأن العالم قد ضاق عليه. تغيرت ملامح وجهه، وكسته سحابة داكنة . كان يظن أن هناك من سيفهم فعله، أو سيسأله عن سبب قيامه بذلك لمجرد اهتمام مفقود.
لكن لم يهتم أحد، فزاد حزنه، وأزداد تمسكه بعصاه التي تعود كل مساء تقوده لمجريات حياة قد سئمها. لكن ليس هناك مفر من العودة إلى منزله ذى الجدران الباردة، وحيدًا خاملاً، يبحث عن سكينة تروي ظمأ روحه الظمأى.
جلس ينظر للفراغ الصامت من حوله، لعله يجد من سكاته ما يُنطقها. لكن الصمت يزداد، وبرودة الجدران تملأ الفراغ المتصارع داخل غرفته المكللة باليأس والألم. رفع رأسه فشاهد صورته تنعكس في مرآة قديمة يدثرها الغبار.
صار ينظر إلى صورته، ويخيل إليه أن هناك سيدة ثلاثينية جميلة تربت على قلبه المنهك، وتمسح دمعة عرفت طريقها خارج مقلتيه الذابلتين.
اقترب من المرآة، يدقق النظر فيها لتظهر ملامحها جلية. إنها زوجته هاجر، التي تركته منذ سنوات بسبب قسوته عليها بعدما أقر الأطباء استحالة إنجابها ولم يجد بعدها من تستطيع شَغل مكانها ٠
صار يتدثر بعاطفة مزيفة، ويختبئ خلف حنان وهمي، خيل إليه أنه سيغنيه عن حاضره الهش، الذي تركه حصيبًا، تزوره رياح الوحدة المغتصبة.
خيل إليه أنها توصيه على عافيته التي تفلتت من بين يديه، وتميل عليه بدلال، تسأله: “كيف أصبحت ؟”
فتتهلل مهجته بانكسار، وترقرقت مدامعه عنوة. أخبرها أنه في أفضل حال، معتذرًا لها عن قسوته وسوء ظنه الذي كان يطاردها.
وتتوتر الأحاديث بينهما، وبعد دقائق معدودات، يرتفع أذان الفجر، ويتسلل ضوء خافت من نافذة مغلقة، فتبددت أوهامه، واختفى سراب مرآته.
صار ينظر حوله بلهفة الغريق الملتاع، فلم يجد غير نفسه البائسة. لم يجد من خيل إليه أنها كانت تبادله مشاعر شاخت داخل قلب مازال يريد الحياة.
تسلل إلى سمعه أصوات طبول تأتي من بعيد، وتقترب شيئًا فشيئًا. فنهض، يحمل عصاه، ويتراقص أمام المرآة كمن يعاقر الخمر. والدموع تنهمر، دون توقف، تزيد من ألمه وفجاعتة، إنكساره.
