أفكار بصوت مرتفع
زينب كاظم
سيكون مقالي هذا نبذة بسيطة عن حياتي لأنه من حق الكاتب او الصحفي أن يتحدث عن تجربته الشخصية للناس
ليكون لهم فكرة واضحة عنه او لكي يعتبروا من تجربته وأنا سأكتب ليس لإستمالة عطف أحد بسبب وعورة حياتي وصعوبتها لكن الكتابة متنفسي الوحيد حين تضيق على الذكريات الأليمة ،والذكريات المؤلمة مرض قاسي وكلنا نعاني منه وهناك رحلة طويلة للإستشفاء منه وتتضمن قراءة القرآن والدعاء والدموع والإحتضان وأن نعيش الألم ولا نتهرب منه يقول جلال الدين الرومي( هروبك مما يؤلمك سيؤلمك اكثر …تألم حتى تشفى) …وكذلك العلاجات السلوكية والأدوية وغيرها كي نتمكن من ممارسة حياتنا بشكل طبيعي .
أنا لي تجربة مليئة بالدموع والألم رغم حسي المرهف فمنذ ان بدأ إختلاطي بالناس وبدأت رحلة الشقاء فكانت هناك حرب ضدي كوني طفلة مدللة وحريصة على واجباتي فكان التلاميذ يسرقون طعامي وكتبي ودفاتري ويتهمونني بالغرور وأنا طفلة لا أفهم أصلا ما الغرور ولكن كنت أستغرب الوجوه والأماكن الجديدة فكانت تطغي ملامح التكبر على وجهي دون قصد ،وبعد تقدمي بالمراحل ظليت أعاني من السرقة والغيرة والحرب الواضحة وهناك موقف لن أنساه اطلاقا وهو إني كنت قد اشتريت دفاتر جميلة وأقلام ملونة ورتبت دفاتيري وبعد كل جهودي هذه رجعت في احدى المرات ووجدت دفاتري قد سرقت فكانت صدمة اليمة جدا علما إننا كنا في إحدى المراحل المنتهية وعلى أبواب الامتحانات ،وبعد مواصلتي لدراستي ونجاحي وتفوقي ووصولي الى الإعدادية إستمر الحقد والحسد لكني كنت اقوى من كل ذلك والحمد لله وعند وصولي للجامعة وقبولي في كلية الإعلام قسم الصحافة فرح وإفتخر بي والدي الله يرحمه وكل عائلتي لكن هناك الكثير من الأقارب او الأصدقاء لم يروقهم ذلك وإستمرت رحلة الألم والحرب من الآخرين لأنه كلية الإعلام كانت تابعة لكلية الأداب آنذاك وكان النظام السابق متحكم تماما بالإعلام وكانوا لا يختارون الطلبة إعتباطا وإنما فقط من يملك كاريزما وذكاء وكنت مميزة بالجامعة جدا فحوربت من الجميع من الزميلات او من الأقارب وليتصور القارئ حجم الطاقة السلبية بسبب الهجوم والغيرة ،لكن واصلت نجاحاتي وإصراري على تطوير ذاتي فكنت أعمل في صحف عدة وأنا ما زلت أدرس ،أما عن زيارات والدي لي للجامعة وإهتمامه المفرط بي كان كسكين يغرز في قلوب الحاقدين ،وبعد زواجي وأنا ما زلت بالجامعة
فكانت رحلة معاناة كبيرة بسبب إصابتي بضربة حسد فسقطت فكسرت ساقي بعد أيام قلائل من زفافي وبقيت أعاني من ذلك وبعدها بفترة لم يحتمل والدي فراقي فرحل بسبب سكتة قلبية فجائية فكانت تلك أشد ضربة تلقيتها في حياتي فبعدما كانت الضحكة لا تفارقني رغم كل شئ ورغم الدموع والمعاناة وغيرة من حولي إلا أن رحيله ادمى قلبي ومزقه فكنت أبكي ليل نهار لأنه تركني عارية أمام صدمات وهموم الحياة فكانت واجباتي كبيرة علي فكنت أنتظر مولودا وأدرس وأكتب بحث تخرجي بنفسي بدون مساعدة من أحد وكنت احترق حرفيا لأن سندي والمحارب الذي كان يحارب الدنيا لأجلي رحل وتركني وحيدة ،بل وحتى وأن كنت لست وحيدة فأنا كنت اشعر بالوحدة والغربة بلا وجود والدي الحبيب ،فكانت تلك الفترة او بالأحرى كل فترات حياتي عبارة عن نضال وأنا دوما اردد إن الحياة تحدي ،وبعدها تخرجت لكن الحرب مستمرة من كل حدب وصوب والحديث يطول وليس كلما نعانيه يكتب فبعض الكتمان له هيبة ،وبعدها نورت حياتي إبنتي وأسميتها (شمس) وعلى فكرة كان الإهداء المكتوب على بحث التخرج هو لروح والدي الحبيب وللأمل المنتظر طفلي فكان اهداء مميزا جدا ،أما حياتي الزوجية فكانت صعبة جدا لدرجة لا توصف
فكنا ما زلنا نكون انفسنا وفي بداية حياتنا وكنت ابقى وحدي انا وطفلتي تحت ظروف الحروب والطائفية المقيتة للأسف ،ومن مكان الى آخر كنت اجاور اسوأ الناس ،كان والدي يقول عشرة الناس توفيقات وأنا توفيقي قليل جدا فعندي هيبة وهالة ذهبية رهيبة تسمى( الكاريزما ) وهذا الشئ جيد لكنه يثير إنتباه وغيرة الآخرين للأسف وبعدها صاروا عندي اولاد وكبرت إبنتي وصارت تخرج للناس وللنساء قليلات الثقافة والجاهلات فكن يسمعنها تنمرا بغير وجه حق علي او كلمة عجوز رغم إني كنت في منتصف العشرينات وبريعان الشباب ذلك لإني مترفعة عن الصغائر متوارية عن الأنظار لا أدخل مع من دون مستواي الأخلاقي بنقاشات عقيمة وكنت أشغل نفسي بتطوير ذاتي وبالقراءة وبتدريس أولادي ،
أما الأمومة ومتاعبها تحتاج مني لمجلدات لشرحها ،كانت رحلة شاقة وكأنها مائة عام ،أخذت العبر والدروس وضريبة الدروس كان قلة ثقتي بالآخرين وعدم رغبتي بالأختلاط وقد يكون الناس حاليا لا يختلطون ببعضهم بعضنا بسبب مشاغل الحياة وأبوابهم دوما مغلقة إلا إنني اغلقت ابواب قلبي عن الآخرين بمفاتيح الخذلان والجروح ،لكن الجميل في كل ذلك أن خبرتي بالحياة زادت فطورت طريقة تربيتي لأولادي وكذلك صارت عندي ملكة الكتابة لأن الإبداع يولد من رحم المعاناة وثقتي بنفسي كبرت لأنني لازلت احتفظ بطفولتي وإعتزازي بذاتي رغم كل شئ وكذلك الجميع عرف أنني لا ابادر للأساءة لأحد لأنني أملك أخلاق النبلاء وكل من تصادم معي كان هو البادئ وكنت ادافع عن نفسي وكرامتي كلبوة شجاعة وكنت دوما على حق وصواب وكذلك كنت أنام مرتاحة الضمير كوني لم اؤؤذي احدا و دوما اردد(نم مظلوما ولاتنم ظالما )ورب العباد هو الذي يعوض العباد بهدايا الهية يوما ما وهذا ما حدث معي والحمد لله ،لكن هناك امورا موجعة رغم تفاهتها وهي الحيرة التي يقع بها الإنسان في التعامل مع الناس مثلا اذا اختلطت بأحد وتحدثت عن تجربة ما او مشكلة معينة ما شخص ارى ان المقابل وكأنه لايقف جنبي رغم اني اتألم مثلا ورغم إنه لايعرف التفاصيل وان صمت قيل إنها سعيد ولا تعاني من هموم ولا تشكو من مشكلة وإن سكت قيل كئيبة وان ضحكت وأنا من عشاق الضحكة قيل لاتملك الرزانة او سعيدة وتعيش بلا متاعب وكلا السببين خاطئ مثلا وأنا طبيعة شخصيتي هذه ،لذلك قصة جحا الشهيرة تنطبق علي إلا ان الفرق هو ان جحا كان هدفه يرضي الناس أما هدفي انا فهو محاولة التأقلم مع مجتمع أنا جزء منه سواء شئت ام أبيت ،عجبي على الناس والدنيا وعلى الصفات المجتمعية الذميمة التي عانيت منها مثل النفاق والكذب والتعدي والغيرة والحسد،قد يتهني البعض بالمبالغة لكن طاقاتي النفسية والعاطفية محدودة وأنا لا أملك فن التجاهل الذي هو صدقة جارية على فقراء الأدب لأن الإنسان صاحب الشخصية الحساسة صعب عليه أن يتجاهل ، علما إن هناك فطاحل الأساتذة والناس الخيرة والزميلات والزملاء والمدرسات كانوا يلقبونني بالملكة ومهوسين في وكانت لي مغامرات رائعة لكن التأثير النفسي للناس السلبيين جدا قاسي (يقال إن سحابة الفرح مطرت على نبي الله آدم سنة واحدة وسحابة الحزن اربعين سنة لذلك طبيعة النفس البشرية تتأثر بالأحزان والذكريات الموجعة اكثر من المواقف الجميلة والمفرحة، (راودتني فكرة الكتابة عن سيرة حياتي الذاتية تزامنا مع أعياد المرأة)وحاولت أن أكون موضوعية بالطرح وليس سلبية والحكم للقارئ الكريم .
