أخبار عاجلة

أبو الفضل

أبو الفضل

لم أؤمن بكل ما ما قالوا ولكني مصدق على البعض بسبب تجربتي في الحياة ولأن أدبي وأخلاقي يمنعاني دائما من تكذيب الكبار –
ومنذ طفولتي لم أكن أصدق الحكايات الكرتونية التي تنطق فيها الحيوانات كنت افكر دائما انه لو قدر للفئران أن تنطق لتكلمت بالمكر والشر بسبب ما تعيش فيه من بؤس وعفن وشقاء ولكن كنت اقول انها لو نطقت عقلت وأنها لو عقلت ما
كانت ستسعد بما قدر لها وكانت تكلف بما أفسدت وفي ذلك ظلم لها وما كان الله بظالم وهو العدل المطلق..
كما أنه إذا قدر للقطط والكلاب والبهائم والهوام أن تنطق لأفشت أسرار الأشباح ولفضحن كل ما يجري في العوالم المكتومة /كما أني لم أصدق تلك الأفكار الأمريكية الأوربية التي تحكي قصص السوبر مان والرجل الوطواط والرجل العنكبوت
وشرلوك هولمز وارسين لوبين وتان تان وما يشبههم من ذلك الهروب المجنون من عالم الواقع إلى عالم الخيال رغم اني أصدق بإمكانية وجود بشر خارقين للعادة سواء كانوا رجال أو نساء بسبب فسادهم أو صلاحهم لأن من كان قريبا من الله أو من الشيطان كلاهما يمكنه أن يأتي أمرا خارق
ولذلك فقد كنت انظر دائما بعين الحذر والارتياب لأبو الفضل ذلك الجار الطيب الذي يروي الناس عنه في قريتنا أساطير. فمنهم من يقول انه يمكن أن يشفي الآخرين بلمسة ومنهم من قال بل لا يحتاج اللمس يكفي فقط أن يراه ثم يدعو له وقالوا عنه أيضا أنه يبلغ من العمر. قرنين من
وهو على حاله هذه منذ أن بلغ الخمسين من عمره – قالوا عنه أشياء كثيرة ولكن أغرب ما سمعت عنه كانت حكاية روتها لي أم سعد بائعة الجبن – روت لي أن أبو الفضل كان في شبابه يمشي في الجبال هائما ويحب أن يتعبد في كهوفها مختليا بنفسه،،
وفي يوم قرر ابو الفضل أن ينزل من الجبل عند أقدام إحدى القرى وعندما نزل سمع صراخ فتاة بالقرب من مكان نزوله فأسرع نحو الصوت لإغاثة صاحبة الصوت ووجد أن الصوت مصدره كوخ من البوص فوجد فيه فتاة ممزقة ملابسها فهدأ من روعها واخذها الي دوار عمدة القرية كما كان متبع في هذا الزمان وأمر العمدة باكرام الفتاة واكرام الضيف الذي أتى بها
ولكن ابو الفضل أراد الانصراف ولكن العمدة طلب من ابو الفضل أن يمهله حتى يستطلع الأمور ثم يأذن له بالإنصراف
وكان العمدة لا يعرف شخصية الشيخ،،
ولكن في اليوم التالي فاجأ العمدة ابو الفضل بأن أمر بالقبض عليه بتهمة قتل ثلاثة من الرجال وجدهم الغفر في الخوص الذي وجد فقه ابو الفضل الفتاة وهم
ممزقين وكان أسدا أو ضبعا قام بافتراسهم
وكم حاول ابو الفضل أن يشرح للعمدة انه لم يكن ثمة شباب قابلهم في تلك العشة وأنه لم يكن هناك إلا الفتاة ولكن العمدة لم يصدقه وواجهه بالفتاة التي روت أن هؤلاء الشباب كانوا قد اختطفوها من القرية المجاورة وأنهم كانوا قد أتوا بها لهذا الكوخ لاغتصابها ولكن حدث أنها صرخت عندما قاموا بشل حركتها فرات وكأن ضباب دخل الكوخ فأصبحت لا تراهم ولا يروها ثم سمعت كأن أسد يزمجر وكأنهم يصرخون ثم انقشع الضباب لتجد ابو الفضل أمامها فهدأ من روعها واخذها بدوره لبيت العمدة فلما أتمت الفتاة كلامها قال لها ابو الفضل ولكني رجل ضعيف يا أختاه ولست أسد فقاطعه العمدة بلهجة ريفيه قائلا وأحنا أيش ورانا ما يمكن تكون انت حاوي ولا مربي اسود ولا مدرب ولا ساحر أحنا نعرفك من انهي داهية يا جدع انت؟ هنا قال أبو الفضل الأمر لله من قبل ومن بعد ثم استطرد قائلا – اسمع يا عمدة انا الشيخ ابو الفضل جودة من نواحي عزبة ابو عوف ال جنب الجبل في قرية الجوادية وكل الناس عارفة اني بختلي في الجبل للعبادة. وانا كنت نازل اشوف العيال وأهل بيتي لقيت الست ديه في طريقي..
تقدم العمدة من ابو الفضل يتفحص فيه وقال متعجبا مش معقول؟ انت الشيخ أبو الفضل ال بيحكوا عنه؟!! بتاع الجوادية!!
فقال أبو الفضل نعم يا عمدة انا هو –
تلطف العمدة في كلامه وقال ما تأخذنيش يا مولانا لكن انت عارف القانون وتولاه خوف مفاجئ وقشعريرة لا يعرف كيف اناه
فقال وهو لا يكاد أن يبلع ريقه. أحنا روحنا نتحقق من كلامك. فوجدنا ثلاث جثث لقطاع طريق مطلوبين من القانون وكانوا كأن الديابة ولا أسود قطعهم علشان كده حضرتك لازم تستنا معانا لغاية لما يجي المأمور ووكيل النيابة ويقفلوا التحقيق انا اسف يا شيخنا لكن انت عين أعيان وعارف القانون ودي مسؤلية،،،
تنهد ابو الفضل وقال لله الأمر من قبل ومن بعد ثم استطرد قائلا أمرك يا عمدة انا معاك حتى نهاية التحقيق
فتبسم العمدة وهو مرتبك ونادى بصوت جهير
يا سلامه يا غفير سلامة،..
فجاء الغفير مسرعا فأشار. العمدة نحو الشيخ وقال للغفير اسمع يا غفير انت عارف الأخ مين؟
فرد الغفير لا ما سبق ليش الشرف قبل كده يا عمدتنا
فاستطرد العمدة قائلا – ديه الشيخ أبو الفضل جودة يا غفير طمعا تسمع بيه فلما نطق العمدة هكذا جرى الغفير نحو الشيخ وحاول تقبيل يد الشيخ. الذي تراجع بدوره وهو يقول استغفر الله استغفر الله..
فقال الغفير دا يوم السعد اني شوفتك يا مولانا دا انا ياما كنت أتمنى أني اقابلك. فقاطعه العمدة قائلا اسمع يا غفير تاخد عمك الشيخ. تتحفظ عليه وانت حر في مكان التحفظ لكن الشيخ أمانة عندك لحد ما اطلبك انت وهو
ثم قال للشيخ وكأنه يتعذر ما تأخذنيش يا مولانا الحق حق
ابتسم الشيخ وقال ياالله بينا يا غفير سلامة
اخذ الغفير الشيخ ومضى ولكنه لم يشأ أن يحتجز الشيخ في الدرك وكان الغفير أكرم نفسا من العمدة
فأخذ الشيخ ومضى نحو بيته.. وفي بيته أكرم سلامة الشيخ غاية الاكرام ولاحظ الشيخ أن من يقمن على خدمته هن بنات الغفير الصغيرات فسأل الغفير عن زوجته فاقتضبت ملامح الغفير وبكى وشكا للشيخ مرض زوجته فطلب الشيخ من الغفير أن يراها ففرح الغفير. ودخل لزوجته يبشرها بدخول الشيخ إليها فلما دخل الشيخ قرأ بعض أيات القرآن ومسح جبهتها ثم خرج من عندها بعد أن بشرها بالشفاء العاجل..
وكانت هناك ابنة للغفير تركت بيت زوجها غاضبة بسبب بعض تصرفاته تلك المرأة طلبت من الشيخ أن يدعو لها فدعى لها هي أيضا ودعى لأخرى أن يتمم الله زواجها وإن يرجع خطيبها من البندر وقد طال غيابه وانقطعت اخباره – وجاء اخو الغفير لزيارة أخيه فوجد الشيخ عنده وكانت أرضه دائما ما تخسر غلتها فدعى له الشيخ أيضا ودعى لزوجته التي لا تنجب
ثم ذكروا عنده العمدة فقال الشيخ اللهم أصلحه واهديه وأخرجه من أمر هو ليس قده وليس له !!!
حدث كل ذلك ما ببين المساء وبعض ساعات الليل ثم ترك الجميع الشيخ حتى يستريح وطلب الشيخ من الغفير أن يوقظه لصلاة الفجر وبالفعل تم للشيخ ما أراد واوقظه الغفير لصلاة الفجر فانطلقا للمسجد وفي المسجد عرف المصلين بوجود الشيخ بالقرية فطلبوا منه الدعاء ففعل لهم ما أرادوا ثم انطلق مع الغفير نحو بيته. ومنذ وصلا بيت الغفير بدأت المفاجآت إذ أن زوجة. الغفير استيقظت في الصباح فوجدت نفسها وقد شفيت تماما وعند ظهور الشمس أتى زوج الفتاة ليردها لبيتها وكان من قبل قد صمم على مفارقتها وقد أبدى من العناد والتجبر ما كان يؤلمها ويؤلم ابيها وامها وبعد صلاة الظهر استقبلت القرية خطيب الفتاة الآخرى وقد رجع من البندر وكان يقول انه حتى الأمس لم يكن يفكر في الرجوع حتى أتاه في المنام رجل صالح يحثه عل الرجوع بسبب حزن خطيبته وأهله عليه وعندما كانوا يتحدثون فإذا بمرسال من العمدة يطلب حضور الشيخ. فإذا بالغفير يذهب بالشيخ للعمدة وهو في أشد قلق على الشيخ وكان يود لو لا يرجع بالشيخ للعمدة مرة أخرى ومن فرط ما احس به نحو الشيخ من حب قال للشيخ. وهو يمشي بجواره اريد ان اقول لك رأي يا مولانا وكان الغفير قد مال يكلم الشيخ بصوت خافت وهو يهاب أن يلمس الشيخ لهيبته ووقاره ولكن الشيخ احس به وأراد أن يهدأ من روعه فتأبط ذراع الغفير وقال قل يا عم سلامه فأنا اسمعك فقال الغفير ما رأيك أن لا نذهب للعمدة فقال الشيخ كيف يا ابو نورا اتود أن اهرب. فقال الغفير بصراحة ايوه يا مولانا انا خايف عليك من العمدة دا راجل ظالم يعني انت عاوز اسلمك له كده بكل سهولة دا انا كنت ما اسامحش نفسي ابدا لو لا سمح الله جرت لك حاجة
فابتسم الشيخ وقال انت ما تعرفش انا فرحان بيك قد ايه يا ابو نورا… وكمان متشكر لك لأنك كنت سبب خير كتير قوي ليا
فقال الغفير. يا لهوي يا ولاد هو مين ال يتشكر لمين بس يا مولانا
فقال الشيخ انا طبعا ال يجب يتشكر لك
فقال الغفير لا والله دا كتير
فقال الشيخ لكن اسمع احنا لازم نروح للعمدة وإن شاء الله خير
وعندما وصل الغفير والشيخ لبيت العمدة وجدا وكيل النيابة
والضابط عند العمدة …
الذي قام بدوره باستدعاء الشيخ أمامهما
وقام وكيل النيابة بسؤال الشيخ عن الوقائع التي جرت عندما كان ياخذ الفتاة لدار العمدة ثم قام بسؤال الفتاة
ونظر وكيل النيابة نظرة لعين الشيخ، وقال له من تظن قتل قطاع الطرق يا مولانا؟ فقال الشيخ بدون افتعال الله أراد أن يستر هذه المرأة فقال وكيل النيابة ولكن على من تحسب في رأيك؟ ففهم الشيخ ما يرمي له الوكيل… فقال تحسب على الوحوش وهي كرامة من الله لتلك السيدة يا بيه
فقال وكيل النيابة ضاحكا بيه مين دا انت ال بك يا صاحب الكرامة
ثم أمر وكيل النيابة بالإفراج عن الشيخ وعن الفتاة
يقولون ان بعد ذلك حدثت أشياء عجيبة منها أن أرض الحج عمارة اخو الغفير سلامة أصبحت اخصب أرض بالجهة كلها وصار غنيا. وأنجبت زوجته بعد انقطاع دام عشر سنوات
كما يقولون ان العمدة. ترك العمودية واصبح الغفير سلامة هو العمدة وأنه كان حتى نهاية حياته صديق للشيخ ابو الفضل
كما يقولون ان بنات الشيخ أصبحن أصلح واغنى نساء القرية
وهناك من يقول أن وكيل النيابة أصبح وزيرا

بقلم على الحسيني المصري

شاهد أيضاً

المدينة المنورة

المدينة المنورة ……….. لستُ أدري هل المدينةُ روحي أو فؤادي فقدْ عشقتُ هواها كمْ تمنيتُ …