مقال بعنوان ،تأويل قول الله تعالى (فأما اليتيم فلا تقهر) ،ضمن مشروعي الحضاري التأويل والتجديد وانعكاساته علي واقعنا المعاصر.
بقلم الأستاذ الدكتور عادل خلف القليعي أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.
بداية نتفق علي أمر هو أن اليتيم الحقيقي ليس الذي فقد أبويه أحدهما أو كلاهما،وانما اليتم الحقيقي هو فقدان الدين والخلق والعلم،هذا هو اليتيم الحقيقي فاقد القيم والأخلاق والخصال الحسنة.أما من يفقد والديه فتلك سنة الله في خلقه، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا فمصيبة الموت واقعة لا محال للأب والأم، والكبير والصغير، وكل حي سيفني ليس غير الله يبقي،من علا فالله أعلي.
وبداية نتفق أيضا، أن خير البيوت بيت يكرم فيه يتيم، وشر البيوت بيت يهان فيه يتيم.
رسول الله صلي الله عليه وسلم أراد الله له أن يولد يتيما فمات أبوه عبدالله دون أن يراه، وبعدها بفترة ليست بعيدة توفيت أمه عليها وعلي أبيه من الله الرضوان، وتلك حكمة أراد الله أن يوضحها للبشرية جمعاء أن سيد ولد آدم ولافخر الذي أشرقت الدنيا بمولده ولد يتيما وتربي يتيما، فلا يجزع من فقد أمه أو أبيه فتلك إرادة الله وقضاؤه ولاراد لأمر الله،فأمرالله قدرا مقدورا.
فيا من ماتت أمك أو أبيك هذا هو رسول الله صلي عليه وسلم لك فيه القدوة الحسنة والأسوة فلا تهن ولاتحزن وأصبر واحتسب واسعي حتي تحقق ما كان يتمنونه لك أبويك، حتي تدخل عليهما السعادة والسرور في قبرهما.
واجبنا نحو الأيتام، العالم كل عام يحتفل بالأيتام والهدايا توزع من ملابس وخلافه، وهذا جد أمر طيب ما يحدث في المدارس من تقديم تبرعات مالية وخلافه، وكذلك ما يحدث في دور الأيتام في هذا اليوم (يوم اليتيم )، من زيارتهم والجلوس معهم واطعامهم وإدخال البهجة والسرور علي قلوبهم، وجميل جدا ما يحدث في الجمعيات الخيرية من كفالة الأيتام وتخصيص رواتب شهرية للإنفاق علي هؤلاء من أهل الفضل وهم كثر ولله الحمد.
لكن لابد أن يعلم الجميع أن هؤلاء أمانة في أعناقنا وكفالتهم لمن يستطيع فرض عين أكرر لمن يستطيع ، فإذا لم يقم الأثرياء بالانفاق علي هؤلاء فمن الذي سيفعل.
وليعلم الجميع أن كفالة هؤلاء تكون بالحب لا بالمن ولا بالشهرة والتشهير كما يحدث من البعض يجلسون ويتباهون في النوادي وفي الحفلات الخيرية، أنا دفعت شيكا بمبلغ كذا، وآخر أنا كفلت عشرين طفل، وثالث يقول أنا دفعت مصروفات خمسين يتيم.
نقول لهؤلاء لاتتبعوا أعمالكم بالمن والأذي من أجل الشهرة فإن ذلك يدخل في باب الرياء والعياذ بالله من السمعة والشهرة والرياء فكل ذلك أبواب نفاق، (ثم لايتبعون ما انفقوا منا ولا أذي)، وليعلم الجميع أن المال مال الله (وانفقوا من مال الله الذي آتاكم)(وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)فلا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذي.(ويطعمون الطعام علي حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا شكورا).
وهذا ما تطلق عليه المؤسسات الإجتماعية بالتكافل الاجتماعي وهذا ما وضحه لنا النبي صلي الله عليه وسلم.في حديثه الشريف،أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار باصبعيه الوسطي والسبابة.
لكن يا سيداتي ويا سادتي وأنتم أري فيكم الخير مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم،الخير في وفي أمتي الي يوم القيامة، فالخير فينا والله لأن هذا ما أخبر به الذي لاينطق عن الهوي، أطرح عليكم سؤالا هل الإهتمام والاحتفاء والاحتفال باليتيم يكون يوما واحدا؟!!.
لا والله وانما إكرام اليتيم لابد أن يكون موصولا ومستمرا علي الدوام ليس هذا وحسب بل والإحسان إليهم في كل أيام العام، ولو حتي بكلمة طيبة ولو بنظرة حانية إليهم تدخل البهجة والسرور علي قلوبهم، رسول الله في يوم العيد يمر في الشارع ويجد الأطفال يلعبون ويبتهجون ويشاهد طفلا صغيرا يقف علي جانب الطريق يبكي بأبي أنت وأمي يا رحمة للعالمين يبكي لبكاء الطفل يقول له ما يبكيك يابني يقول استشهد أبي في غزوة مع رسول الله فضمه الرسول الي صدره ومسح علي رأسه يعلمنا أن المسح علي شعر اليتيم، كل شعرة بحسنة لك لمواساتنا إياهم، ويأخذه إلي بيته ويقول أما ترضي أن يكون رسول الله أبا لك، وعائشة أما لك، فتهلل وجه الصبي وخرج وإذ بالصبية يسألونه ما بك ما الذي أسرك يقول رسول اللّه أبي وعائشة أمي فتمني الأطفال أن يستشهد أبائهم حتي يناولوا هذا الشرف.
يا سادة في كل شارع من شوارع بلدنا في كل قرية في كل مدينة في كل حارة ، في كل زقاق حتي، يوجد أيتام فأووهم وأحسنوا إليهم، فنحن لنا أبناء ونحن الآن أحياء لاندري ماسيحدث غدا وأن الموت لأقرب لأحدنا من شراك نعله، فأحسنوا ولو بالكلمة حتي يجد أبنائنا من يحنو عليهم ولاتقل ساترك لهم أموالا تنفعهم، نقول ومن الذي سيتولي إدارة هذه الأموال، فاتقوا الله وأحسنوا يحسن الله إليكم.
فأما اليتيم فلاتقهر، وجوه قهر اليتيم كثيرة، منها عدم معاملتهم بما يرضي الله بسبهم ولعنهم وشتمهم واهانتهم و تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.
كذلك إذا ضاقت بهم السبل وأوقعت أحدهم الحاجة أن يعمل في حرفة تتولي إدارتها فلاتحمل عليه ولاتحمله مالا يطيق وإذا كنت تعطيه أجرا، فضاعفه يضاعف الله لك.
أيضا من وجوه القهر، أكل ماله بالباطل وهذه جريمة وأي جريمة، جريمة عقابها النار في البطون ، والسعير في قعر جهنم(إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلما إنما يأكلون في بطونهم نار وسيصلون سعيرا)هذا بالنسبة لك أما ما سيحدث لذريتك فسيكون الفشل حليفهم لأنهم نبتوا من حرام لماذا لأن أبيهم أطعمهم طعاما حراما أكل ما اليتم الضعيف الذي استأمنك ابوه علي هذا المال فنهبته والعياذ بالله.
ومن وجوه قهر اليتيم (وإن خفتم الاتقسطوا في اليتامي فانكحوا ما طاب لكم من النساء)الزواج من اليتيمة إن لم تستطيعوا أن تعدلوا معهن وتوفهون حقوقهن الشرعية من معاملة حسنة طيبة ، وكذلك الطمع في أموالهن فلا تنكحوهن أفضل لكم.
هل كفالة اليتيم من فروض الأعيان أم من فروض الكفايات؟!نقول هي من فروض الأعيان وفقا لفقه الاستطاعة فالمستطيع الذي يقدر علي كفالة طفل أو طفلين، أقول كفالة وليس تبني بشهادة ميلاد فالإسلام نهي عن ذلك ولكن أقر الكفالة والانفاق أن استطعت في بيتك فحسن وإن لم تستطع تتكفل برواتب شهرية للمؤسسات التي تتولي مثل هذه الأمور، جمعيات معتبرة مشهرة ومشروعة، لا جمعيات نصب واحتيال تأخذ هذه الأموال غيلة.
وأري أنه من الممكن أن يكون من فروض الأعيان لا أقول بدفع الأموال ولا الإنفاق ولكن ولو حتي بكلمة طيبة حسنة ولو حتي بابتسامة رقيقة جميلة، وهذه أطلق عليها الكفالة المعنوية إن صح التعبير وهذا اجتهادي وقناعتي الشخصية ولكم الحرية في أن تقبلوها أو ترفضوها.
أحسنوا إلي الأيتام وخففوا عنهم حرمانهم من الآباء والأمهات وجففوا دموعهم فقدر الله هو الذي فعل بهم ذلك، واعلموا علم اليقين أن خير البيوت بيت يكرم فيه يتيم،وشر البيوت بيت يهان فيه يتيم أو كما قال المعصوم صلي الله عليه وسلم، ولا تجعلوا احتفالكم بالأيتام يوما واحدا من كل عام أول أبريل بل اجعلوا العام كله احتفاءا واحتفالا بهم ولاتفرقوا في المعاملة بينهم وبين أبنائكم واتقوا الله، لأنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. واختتم حديثي بهذه الآية الكريمة (يسألونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم)من الآية 220من سورة البقرة،شكرا جزيلا
