بقلم: السيد فريج
وسام إسمٌ جميلٌ جمع صبي وطفلة بينهما خمس سنوات من العمر لأسرتين جارتين لا يمر يومٌ إلَّا ويلتقيان في حديقة الأورمان يقضيان وقتًا طيبًا، المهندس سعيد والدكتور أحمد يتلهيان بلعب الطاولة والأسرتان تكونان فريقين للتشجيع، بينما الوسامان يقضيان ببراءة الأطفال وقلب الشباب وقتا سعيدًا وقد تعلق قلباهما بحبٍ من نوعٍ لم يعلمه البشر وتزاوجت روحاهما وتوزعت بين نفسيهما تتلاقي وتتآلف ما تتودعان إلَّا بأمل اللقاء، وتمر الأيام وتتباعد الأسرتان وتقل اللقاءات الى أنْ تنعدم وقد صارت وسام شابةً جميلةً بالمرحلة الثانوية والتحق وسام بكلية الطب ولم يتغيبا عن اللقاء الاسبوعى بينهما بنفس مكان اللقاء الأول ولموعد معلوم لا يختلف أبدًا وينمو حبهما وتترعرع علاقتهما وقد علمها المقربون من أصدقائهما يباركونها وقد صارت مضربًا للأمثال فى الحب والود والنقاء لم تعرف حماقة ولا استهتارا غير الإحترام والإلتزام إنْ زاد الشوق يومًا كان احتضان وتعانق الأيادي في نعومة ورقة تغلفها كلمات رقيقة في رقة الزهور وروعة الورود ورائحة العطور وموسيقى تغريد الطيور إنَّه حب الأرواح وتلاقيها، نورانية وكأنها غير حبيسة صندوق الجسد منطلقة في فضاء المشاعر وروعة العواطف، ووسام تعشق وسامًا، وقد تعلق بها قلبه واقتسمت روحه، وليومٍ غير محسوب أدركهما بغير ترتيب، تنبها أنَّه لأيام ينهى وسام دراسته بكلية الطب ويعلمان أنه وحتمًا يتم تكليفه بمنطقة نائية أو وحدة ريفية، وسام في بداية دراستها بالجامعة الأمريكية، ولأول مرة يعرف الحزن طريقه اليهما وألم الفراق وإنْ كان لأيام يعتصرُ قلبيهما، عصفوران لا يعرفان من الحياة غير البراءة والسمو في كل شىء، وغدًا بداية رحلة الوجع سيسافر وسام الي أسوان واللقاء قطعًا سيتأخر لأسابيع، يعلم الله وحده كيف تمر وقدر تحملهما للألم والبعاد، ومع همسات وسام وكأنها نغمات الناي حزنا، يخرج وسام الطبيب ورقة يوقعها بدمه يقر بوثيقة وميثاق عهدًا لحبٍ دائمٍ ولحياةٍ لن يفترقا فيها أبدًا فإن غابت وسام عنه لمات، وهي لم يجرؤ قلبها أنْ يحدثها بذلك، ومثله تفعل وقد أدمعت عيناه أنْ رآها تتألم، وكلاهما يحتفظ بنسخة من وثيقة العهد بتاريخها، والجو بالغ البرودة في يناير من العام الفين، ينزع وسام الكوفية من على كتفه ليضعها حول عنق حبيبته لتُقَبِّلُها ويُقَبِّلُ يدها وقد تبادلا وردةً بيضاء ببياض قلبيهما، ويرافقها وسام بسيارته إلى أقرب مكان لمسكنها كما اعتادا، والصمت سيد الموقف والبكاء والدموع عنوانه يفترقان على أمل اللقاء، تتسمر قدما وسام ينظر اليها وقد تلفتت خلفها لمرات تلتقى نظراتهما الى أنْ إبتلعها الطريق وغابت عن ناظريه وقد إنفجر باكيًا بصوتٍ مسموع يملؤه الحزن والألم، إلى بيته وكأنه قطع ألف كيلو متر، فكم كان الوقت كئيبا مملاً، وفى المنزل تَجَمَّعَ كلُ أفراد الأسرة حول إبنهما الوحيد قلقين أنْ رأوه بمثل هذه الحالة من الحزن والألم ولأول مرة وهو البشوش المبتسم دومًا بل ومصدر السعادة لهم جميعا، يروى وسام لهم ما أخفاه عمرًا ويعيد إلى ذاكرتهم تلك الأيام الطيبة وذكريات هذه الأسرة الرائعة وبلا تفكير أو تردد يقول دكتور أحمد والد وسام ولِمَ الحزن حبيبى اليوم أتصل بوالدها وهاتفه معى فقد التقيته منذ ما عامين تقريبًا ومازلت أحتفظ به، وأحدد معه موعدًا لزيارته غدًا ونخطب وسام لك ولا أعتقد أنَّه سيرفض فنحن يومًا كنا أسرةً واحدةً، وقد وافق الجميع الرأى وسعد وسام به وكان، وفى المساء رحبت أسرة وسام بهم وأظهرت لهم مودة وسعادة توقعوها، وقد طال إنتظار وسام حديث والده، أو هو الحب والتوهم أنَّ الوقت بطئ فبادر قائلا
“عمي لا أرى وسام ترحب بنا وخيرا فعلت حتي تعفينى من الخجل”
الجميع صامت ووالد وسام تترقرق دموع في عينيه وكأنها دموع فرح يتوقعه ويترقبه وسام.
ويكمل الدكتور أحمد وقد التقط أطراف الحديث “باختصار ياباشمهندس جئنا اليوم نطلب يد وسام لإبننا وسام ونعلم أنك لن ترفض فيقينا تحبنا كما نحبك”
ينفجر الرجل وزوجته وابنتاه في نوبة بكاء شديدة تعلوها آهاتٍ وألم، ويحاول الجميع تهدئتهم وقد انتابتهم حالة من الدهشة والفزع لِمَا سمعوا ورأوا، ولا يتركهم الرجل فريسة التعجب وعلامات الاستفهام ويقول في أسى” إنما ولدى وسام قد ماتت منذ عام في حادث طريق وأمس كانت الذكري السنوية الأولى لوفاتها رحمها الله إدعوا لها”
وينفجر وسام “لا تقل ذلك ارفضني ما شئت، قل لا، اطردنا ولا تقل على وسام ذلك إنها روحي” ويكمل “عمي أنا ووسام نحب بعضنا منذ الطفولة ولم يمر أسبوعٌ واحدٌ دون لقاء”
الرجل يبدي دهشة لما يسمع ويهدئ من وسام ويقول له ” اهدأ بُني وسام ماتت تلك هي الحقيقة”
ويزيد انفعال وسام”لقد التقيت وسام أمس وهذه وثيقة وعهد بيننا كتبناها بدمائنا، ارجوك نادي وسام واسألها”
ويقدم الورقة للرجل الذي يصيح وزوجته وابنتاه في ذات اللحظة” نعم هذا خط وسام وتوقيعها، إنما صدقني يا إبني وسام ماتت وقد تكون هذه بتاريخ سابق “
“عمي إنَّهُ أمس”
ويوجه حديثه لأمه “أتذكرين الكوفية السوداء أمى”
“نعم وأدركتُ أنها لم تكن على كتفك حين عودتك أمس كما خرجت وقلتُ ربما تركتها بالسيارة”
” أمي لقد وضعتها حول عنق وسام خوفا عليها من البرد “
الرجل ” إهدا يا إبني وارحمنا، هيا بنا جميعًا نزور قبرها ونترحم عليها فقد كنت أنتوى ذلك فقد نسيت باب المدفن مفتوحا بعد زيارتها أمس”
والكل في ذهول ويقسم وسام بكل عزيز، ويقسم بحبيبته أن وسام كانت معه أمس، ويمر الوقت طويلاً مملاً كئبًا يكتنفه الصمت.
وأمام باب مقبرتها وقد أضاء والدها المدخل،
كانت المفاجأة التى ألجمت ألسِنَةَ الجميع وأبكت الحجرَ قبل البشر، الكوفية ووثيقة العهد والحب والوردة البيضاء ونقشٌ بخط وسام علي باب المقبرة
“لِمَ تعجلت حبيبى وأعلنت ما أخفيناه فكان الفراق حتمًا، الى اللقاء في جنة الخلد” (وسام)
الصمت، الدهشة، الآن ماتت وسام، ويسقط وسام مغشيًا عليه،
وفي اليوم التالي كان قبرُهُ مجاورًا لحبيبة روحِه في قصة ماعرفها الزمان، ولا ادركها عقل إنسان، إنها قصة “حبيب الروح”
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج