جاثوم الطغيان

كتب ـ سمير ألحيان إبن الحسين 

 

__الجاثوم هو الكابوس أو “شلل النوم” الذي يُشعر النائم فيه بثقل وضغط واختناق وعدم القدرة على الحركة أو الكلام مع بقاء الوعي وقس على دالك فكما أن هناك جاثوم يطبق علي الأجساد والابدان ويخنقها ويشل حركتها نفسيا وجسديا فكدالك وبالمثل هناك جاثوم يطبق علي خيرات ومقدرات البلدان والأمم ويخنقها ويحاصرها ويعمل ليل نهار علي عدم إنعتاقها وتحررها من قبضته وربقته الطاغية الطغيانية 

فلم يكن هناك يومًا نظامٌ عادل…

كنا نصدّق ذلك فقط لأن الكذبة كانت مُتقنة.

قالوا لنا: قانون دولي.

قالوا: شرعية.

قالوا: قيم…

لكن ما كان يحكم العالم دائمًا هو ميزان قوةٍ مؤقت،

قناعٌ أخلاقي يُلبس حين يكون نافعًا،

ويُخلع عند أول اختبار.

اليوم… سقط القناع.

لا لأن الشر انتصر،

بل لأن التبرير لم يعد ضروريًا.

السيادة؟

لم تعد حقًا.

صارت بندًا قابلًا للتفاوض.

تُحترم إن خدمت المصالح،

وتُداس إن أعاقت الطريق.

الحروب التي عرفناها ماتت.

الجيوش، الرايات، الخطوط الأمامية…

لم تختفِ لأن العالم أصبح أرحم،

بل لأنها أصبحت مكلفة،

مكشوفة،

وخارج السيطرة.

ما جاء بعدها أخطر.

حرب بلا إعلان.

بلا نهاية.

تفكيك بدل الغزو،

إنهاك بدل الاجتياح،

ضرب الوعي قبل الجسد.

الثائر؟

لم يعد موجودًا.

الجميع داخل اللعبة.

التمويل يكتب الاتجاه،

والدعم يرسم السقف،

والشرعية تُمنح… أو تُسحب… حسب الحاجة.

ومن يخرج عن النص؟

يُعزل.

يُشوَّه.

أو يُمحى.

حتى الثورة…

تحولت إلى سلعة.

تُستثمر، تُستهلك، ثم تُرمى.

لم تعد صرخة شعب،

بل أداة في يد من يديرون اللعبة من الظل.

الأنظمة لا تسقط في الشوارع بعد الآن.

تُعاد صياغتها في غرف مغلقة.

بوجوه جديدة…

وأدوار قديمة.

في العالم المستقبلي القادم،

لن تحتاج الحرب إلى جنود.

ستُدار عبر شركات،

وخوارزميات،

وأزمات مُصمَّمة بعناية.

الدولة التي لا تملك اقتصادها،

غذاءها،

طاقتها،

وسرديتها…

ستصبح مادةً للاستخدام.

الإنسان لن يُقتل فقط.

سيُفرَّغ من المعنى.

سيُطلب منه أن يتكيّف،

أن يبرّر،

أن يصطف دون أن يفهم.

والأسوأ؟

أنه سيفعل ذلك…

لا خوفًا،

بل لأن هذا هو الشكل الوحيد للبقاء.

هاته ليست فوضى.

وهذا ليس انتقالًا.

هذا استقرار.

قاسٍ.

طويل.

ومبني على حقيقة واحدة:

كل شيء قابل للبيع…

حتى الصراع نفسه.

فالنظام الاقتصادي العالمي يرفع راية الحرية والديمقراطية كما تُرفع الأقنعة في المسارح، لا لتكريم الحقيقة، بل لإخفاء الوجه الحقيقي للقوة.

إنه لا يحكم بالسلاح، بل بالعملة.

لا يحتل بالجيوش، بل بالعقود.

ولا يقتل مباشرة، بل يقرر من يُترك حيًّا ومن يُمحى ببطء.

هاته المنظومة ليست دولة، ولا إمبراطورية بالمعنى التقليدي.

هي شبكة غير مرئية من منظمات سرّية، ورؤوس أموال، وأمراء بلا تيجان، ورؤساء بلا أوطان.

انها إدارةُ ليست دولة،

ولا حكومة يمكن إسقاطها بانقلاب،

إنها شبكة صامتة من منظماتٍ خفيّة،

ورؤوس أموال لا تظهر في الضوء،

نظامٌ اقتصاديٌّ خالص،

يُدير العالم كما تُدار شركة عملاقة

لا تعرف الأخلاق، بل تعرف الأرباح.

لا تمتلك جيوشًا،

ولا ترفع بندقية،

لكنها تملك مصانع السلاح،

وتصنع الميليشيات،

وتغذّي الجماعات المتطرفة،

فتقاتل عنها بأسماءٍ أخرى

وأعلامٍ أخرى

ودمٍ لا يُنسب إليها.

هي لا تحارب،

لكنها تُنتج الحروب،

تكتب أسبابها،

وتحدّد توقيتها،أطرافها، ضحاياه 

وتختار ساحتها،

ثم تراقب من بعيد

كيف يلتهم الفقراء بعضهم

بينما ترتفع المؤشرات.

لا وطن لها،

ولا أرض تنتمي إليها،

لكنها تملك ما فوق الأرض

وما تحتها.

تتحكم بالمعادن،

بالنفط،

بالذهب،

وبكل ما يُستخرج من جسد الكوكب.

لا تُدير مستشفيات،

لكنها تملك المختبرات.

لا تُداوي المرض،

بل تستثمر فيهم. 

 مختبرات تصنع اللقاح والفيروس معًا، المرض والعلاج في صفقة واحدة.

تصنع اللقاح حين يكون مربحًا،

وتُطلق الفيروس حين يكون الخوف سوقًا،

فالأوبئة عندها ليست مآسي

بل فرص.

لا شعب لها يهتف باسمها،

ولا جماهير تخرج دفاعًا عنها،

لكنها تملك ما تعيش عليه الشعوب والجماهير.

الماء،

الطعام،

الشراب،

حتى الهواء…

كلّه قابل للتسعير،

قابل للاحتكار،

قابل للبيع.

تتحدث عن السوق الحرة، بينما تحتكر كل شيء.

عن المنافسة، 

هي تحتكر المال،

وتحتكر الغذاء،

وتحتكر الدواء،

وتحتكر كل تفصيلة صغيرة

في حياة الإنسان،

حتى يصبح البقاء نفسه

مشروطًا بالطاعة.

لا قومية لها،

ولا دين،

لكنها تُتقن استخدام كل القوميات

وكل الأديان

كأدوات استثمار.

تُشعل العقيدة حين تخدمها،

وتطفئها حين تنتهي صلاحيتها.

تحوّل المقدّس إلى وسيلة،

والهوية إلى سلعة.

أما أعضاؤها،

فليسوا في الصفوف الأمامية،

ولا يُقتلون في الحروب.

إنهم الرؤساء،

والأمراء

وأصحاب السلطة والنفوذ،

الذين لا تتلطخ أيديهم بالدم مباشرة،

لكنهم يعرفون جيدًا

كم يجب أن يُراق.

هكذا يعمل النظام:

بلا راية،

بلا نشيد،

بلا محاسبة.

نظام لا يحكم البشر بالقوة،

بل بالحاجة.

ولا يسيطر على الأرض بالسلاح،

بل بالتحكم في شروط الحياة نفسها..

وهنا تكمن القاعدة غير المكتوبة:

أي نظام، أي زعيم، أي صوت يعلو خارج النص المسموح،

أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة، لا لتزيينها،

يُواجه بالمصير ذاته: الذلّ، التشويه، السقوط.

إن لم يُغتَل، يُعتقَل.

وإن لم يُعتقَل، تُفصَّل له تهمة.

وإن لم تكفِ التهمة، يُغرق بالفضائح، ويُعرّى أمام الرأي العام، حتى يفقد شرعيته، وحتى يُصبح عبرة لغيره.

ليس لأنّه دكتاتور،

ولا لأنّه قمع شعبه،

بل لأنّه قال: لا.

لأنّه رفض أن يُسلّم ثروته،

لأنّه حاول أن يخرج من دائرة الطاعة،

لأنّه تجرأ على لمس المحرّم الاقتصادي.

فالحرية مسموحة… ما دامت لا تُهدد الأرباح.

والديمقراطية مرحّب بها… ما دامت لا تغيّر العقود.

وحقوق الإنسان مقدّسة… ما دامت لا تعترض طريق الاستثمار.

هاته ليست مؤامرة،

بل منطق نظام.

نظام لا يعاقب على الجريمة، بل على العصيان.

لا يُسقط الطغاة لأنهم طغاة،

بل لأنهم لم يدفعوا الثمن،

أو ل

أنهم تأخروا في فهم القاعدة الأبدية:

إمّا أن تكون جزءًا من المشروع،

أو تتحوّل إلى درسٍ في كتب السقوط.

إنه جاثوم متكامل الأركان يطبق الخناق علي فريسته فأني لها الإنعتاق و اني لها الإنفكاك .

شاهد أيضاً

غدا السبت .. بدء انطلاق حملة «365 يوم سلامة» بجميع المنشآت الصحية بالمنيا

المنيا – أحمد جابر    تحت رعاية اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، تنطلق فعاليات حملة …