تـذكـر كـلـمـا قـرأت قـرأنـا 

كتب ـ سمير ألحيان إبن الحسين 

 

تذكر أنه عليك أيها المؤمن أن تستصحب في وعيك دائماً أنّ قضايا القرآن ومفاهيمه ومواعظه ليست من قضايا الماضي الّذي كان ، إنّما هي قضيّة اللّحظة وكلّ لحظة ، أنّها قضيّتنا نحن ، والخطاب فيها هو لنا نحن بالذّات لا لقوم آخرين كانوا ، أو لغيرنا ، بل لنا ولكلّ فرد فينا. وينبغي أن يستشعر القارىء للقرآن أنّه هو المخاطَب بالذّات وأنّ القرآن ليس كتاب مطالعة يقرأ فيه عن عصر من التاريخ فات.

 

 وعندما يتفكّر القارئ للقرآن في كلّ آية من آياته الشريفة ويطبّق مقصدها على حاله ونفسه فإنّه يرفع نقانصه بواسطة هذا التطبيق ويشفي أمراضه به. فعندما يقرأ مثلاً قصّة إبليس وطرده من مقام القرب مع تلك السجدات والعبادات الطويلة ويتساءل لماذا كان ما كان؟ يجد أنّ مقام القرب الإلهيّ هو مقام المطهّرين ، ومع التلبّس بالأوصاف والأخلاق الشيطانيّة لا يمكن القدوم إلى ذلك القرب ، فيبادر إلى التخلّص منها ليحصّل مقامَ القرب ، بحيث نشعر دائماً بحياة القرآن وأنّه حيّ دائماً ، ليهب الحياة إلى قلوبنا وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدس الله تعالى

 

فإستشعار العبد مخاطبة الله إياه بالقرآن تكون بحسن الإنصات للقرآن، وحسن التدبر، وحسن العمل ؛ حيث يؤمن المسلم أن الله يخاطب بالقرآن عباده ، فيأمرهم وينهاهم ، ويخص منهم طائفة بالخطاب ، ويعمهم به .

 

فإذا خص المؤمنين منهم فإن المسلم يستحضر هذه المخاطبة ، ويقول : سمعنا وأطعنا . قال ابن مسعود رضي الله عنه : ” إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فَأَرْعِهَا سَمْعك، فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ ” .

 

وإذا عم الناس بالمخاطبة، استحضر أن الله يخاطبه هو فإن كان أمرا فعله ، وإن كان نهيا تركه، وإن كانت موعظة عمل بها .

 

والعبد يستحضر مخاطبة الله له في كل القرآن ، ولكن يختلف ذلك باختلاف ما يتلو من القرآن :

 

فإذا ذُكرت الطاعة استحضر خطاب الله له بالأمر بها ، وإذا ذكرت المعصية استحضر خطاب الله له بالنهي عنها ، وإذا ذكر أهل الإيمان استحضر خطاب الله له بموالاتهم ومحبتهم ، وإذا ذكر أهل الكفر والنفاق استحضر خطاب الله له ببغضهم ومعاداتهم .

 

وإذا ذكر الشيطان استحضر خطاب الله له بعداوته ومخالفته وعدم اتباعه، والعمل بطاعة الله ، قال تعالى ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) 

 

وإذا ذكر الصدق والصادقين استحضر خطاب الله بالعمل على أن يكون منهم .

 

وإذا ذكر الكذب والكاذبين استحضر خطاب الله له بالعمل على ألا يكون منهم .

 

قال الإمام أبو بكر الآجري رحمه الله :

 

” ثُمَّ إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَثَّ خَلْقَهُ عَلَى أَنْ يَتَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا )

 

وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً )

 

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ هو الآجري أَلا تَرَوْنَ رَحِمَكُمْ اللهُ إِلَى مَوْلاكُمْ الْكَرِيْمِ ؛ كَيْفَ يَحُثُّ خَلْقَهَ عَلَى أَنْ يَتَدَبَّرُوا كَلامَهُ ، وَمَنْ تَدَبَّرَ كَلامَهُ عَرَفَ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَرَفَ عَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَعَرَفَ عَظِيمَ تَفَضُّلِهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ ، وَعَرَفَ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ عِبَادَتِهِ ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَاجِبَ ، فَحَذِرَ مِمَّا حَذَّرَهُ مَوْلاهُ الْكَرِيْمُ ، وَرَغِبَ فِيمَا رَغَّبَهُ فِيهِ .

 

وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ ، وَعِنْدَ اسْتِمَاعِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، كَانَ الْقُرْآنُ لَهُ شِفَاءً ، فَاسْتَغْنَى بِلا مَالٍ ، وَعَزَّ بِلا عَشِيرَةٍ ، وأَنِسَ بِمَا يَسْتَوحِشُ مِنْهُ غَيْرُهُ ، وَكَانَ هَمُّهُ عِنْدَ تِلاوَةِ السُّورَةِ إِذَا افْتَتَحَهَا : مَتَّى أَتِّعِظُ بِمَا أَتْلُوهُ ؟ ، وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ مَتَّى أَخْتِمُ السُّورَةَ ؟ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ : مَتَّى أَعْقِلُ عَنْ اللهِ الْخِطَابَ ؟ مَتَّى أَزْدَجِرُ ؟ مَتَّى أَعْتَبِرُ؟ لأَنَّ تِلاوَتَهُ لِلْقُرْآنِ عِبَادَةٌ ، وَالْعِبَادَةُ لا تَكُونُ بِغَفْلَةٍ ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ .” 

 

وهكذا ، فليكن حال التالي مع كتاب الله 

 

فهل سبق لك وأن سألت نفسك ما هو “السر” الدي جعل آية واحدة قادرة أن تقلب حياة الصحابة والسلف رأساً على عقب فلحظة واحدة ؟

 

كيف أن “الفضيل بن عياض” تحول من قاطع طريق معروف بالمعاصي، لواحد من أكبر العباد والزهاد، والسبب كان غير آية سمعها صدفة؟

 

وكيف كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسح دموعه ويقول بصوت عالي: “بلى والله يا رب، نحب أن تغفر لنا”، ويعفو في التو والحين على واحد أخطأ في حقه غلطا كبيرا، لأنه فقط سمع آية العفو؟

 

وكيف لناس المدينة المنورة أوقفو الشراب دقة واحدة وأهرقوها في أزقة المدينة حتي أصبحت مليئة بالخمر بمجرد ما نزل الأمر بالتحريم؟

 

السر يا صديقي ليس فـي”فصاحة” اللغة الدين هم أصحابها ويتقنونها ويغوصون فيها ويتلددون بمعانيها ونحن لا..

 

السر يوجد في “اتجاه الكلام”.

 

هم كانو يقرأون القرآن على أساس أنه “رسالة شخصية وعاجلة” أتية لهم هم بالضبط، وبالإسم.

 

أما نحن ، كثير منا يقرؤونه على أساس أنه كلام عام موجه للأمة في التاريخ، أو ليس سوي نص ديني نقرأه لكي نكسب الأجر والثواب وكفي.

 

نقرأ “يا أيها الذين آمنوا” وكأننا مارين بجانب لافتة لاتعنينا في شيء.

 

الفرق بيننا وبينهم هو “التجاوب والتفاعل والرد”.

 

نحن نتعامل مع القرآن من جهة واحدة أنا أقرأ.. والله يستمع ويعطيني الحسنات.

 

بينما هوم فهمو الحقيقة والمعني الله يتكلم معي.. وأنا يلزمني أن أتفاعل..

 

يجب أن أجيب ..

 

ولازم علي أن أستجيب ..

 

فعندما يسمع المؤمن “فبأي آلاء ربكما تكذبان”، لايعتبرها سوي فاصلة تعاد، بل يعتبرها سؤال حقيقي ينتضر جواب في الحين، ويرد مثل الجن عندما قالو: “لا بشيء من آلائك نكذب ربنا ولك الحمد”.

 

للأسف، بعض منا عملوا مثل “حاجز من الزجاج” بينهم وبين المصحف.

 

والحل هو تكسير هادا الزجاج.

 

وجرب أن توم بهدا التفاعل..

 

في كل مرة تقرا “يا أيها الناس” أو “يا عبادي” أو “يا أيها الذين آمنوا”؛ تخيل إسمك وكنيتك خلف النداء..

 

أنت هو المقصود، و”ملك الملوك” اختارك ووجه إليك نداءه وكلامه.

 

فهل تقدر في تلك اللحظة أن تصمت ؟

 

أو تتفوه؟

 

أو تقلب الصفحة ببرود؟

 

لا أضن منك هادا !

 

أكيد ستحب ، وستقشعر، وتتجاوب “بلى يا رب.. قد آن قد آن”.

 

القرآن ليس “تسجيل قديم” لكلام مر ودهب ..

 

القرآن كلام الله لنا الأن..

 

رسالته مستمرة.

 

وهو الأن.. فهاته اللحظة.. 

 

يخاطبك.. يوجهك.. ويناديك أنت.

 

فهل ستتجاوب؟

 

فهذا القرآن هو رسالة الوحي الأخيرة للبشرية، هو الذي قال الله سبحانه عنه: “إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ”. وفي صلب هاته الهداية القرآنية تأتي إجابة القرآن عن أسئلة الفطرة التي تطرحها كلّ فطرة إنسانية وتجيب عنها في حياتها بشكل من الأشكال وهي :

 

من أين جئنا؟ (المنشأ)

 

لماذا جئنا؟ (الغاية)

 

كيف نعيش؟ (المنهج)

 

إلى أين نذهب بعد الموت؟ (المصير).

شاهد أيضاً

أَعَـاتِـبُـكَ

بقلم ـ سماح عبدالغني    أَفْرَطْتُ فِي عَتْبِي فَمَلَّ كَثِيرًا مِنْ عِتَابِي وَصَمَتُّ كَيْ يَرْضَى …