
الفصل الثالث: العقل النقدي – حرية السؤال وشجاعة الاكتشاف
بقلم: روعة محسن الدندن
العقل النقدي يشبه طائرًا برّيًا لم يعرف الأقفاص يومًا. لا يطمئن إلا حين يحلّق عاليًا، ولا يهدأ إلا إذا رأى الأفق يتسع بلا نهاية. هو عقل يرفض أن تُملَى عليه الحقيقة من الخارج، بل يبحث عنها في الداخل والخارج معًا، في النصوص والظواهر، في التاريخ والحاضر، وفي كل زاوية يظنها الآخرون محرمة أو مخفية.
أصحاب هذا العقل يشبهون الأطفال في جرأتهم: يسألون بلا خوف، ويتعجبون بلا خجل، ويكسرون لعبة قديمة ليكتشفوا كيف صُنعت، بينما يصرخ الكبار: “دعها! ستكسرها!” لكنهم يعرفون أن الكسر هو الطريق إلى الفهم، وأن الحقيقة لا تُعطى جاهزة، بل تُنتزع انتزاعًا.
العقل النقدي لا يعرف “التسليم المطلق”. إنه يرى في التسليم موتًا للعقل. يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وماذا لو كان العكس؟
وحين يسمع رواية تاريخية، لا يكتفي بالسند ولا بالاسم ولا بعدد الرواة. يسأل: من كتبها؟ في أي زمن؟ وبأي غاية؟ وهل الحقيقة يمكن أن تُختصر في رواية واحدة؟
وحين يقرأ نصًا دينيًا، لا ينظر إليه بعين الخوف، بل بعين الباحث عن المعنى: كيف يخاطب هذا النص الإنسان؟ وما الدروس التي يمكن أن تُبنى منه اليوم؟
في الجامعات والمختبرات، يتجلى العقل النقدي في ذلك الطالب الذي لا يكتفي بحفظ المعادلات، بل يحاول أن يغيّر صياغتها ليرى إن كانت تعطي نتائج جديدة. في ذلك الباحث الذي لا يكتفي بترديد ما قاله أساتذته، بل يجرؤ أن يختلف معهم، لا بدافع التمرد الأجوف، بل بدافع البحث عن أفق آخر للحقيقة.
العقل النقدي لا يرفض الموروث، لكنه لا يبتلعه دون مضغ. يأخذه بين يديه كما يأخذ الحداد قطعة الحديد، يضعها في النار، يطرقها، يشكّلها من جديد، حتى تتحول من حديد خام إلى سيف حاد أو أداة نافعة. فالموروث بالنسبة له مادة أولية، لا نهاية مغلقة.
وهو لا يسقط في فخ الانبهار بالغرب أو الشرق، لا يقدّس فلسفة لأنها غربية، ولا يرفض أخرى لأنها شرقية. يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويزن كل فكرة بميزان العقل الحر.
إنه عقل يضع السؤال قبل الجواب، والبرهان قبل الادعاء، والتجربة قبل العقيدة.
ولأن هذا العقل يزعج الدوغمائي والإيماني معًا، يُنظر إليه دائمًا بعين الريبة. يُتّهم أصحابه بأنهم زنادقة، أو مشاغبون، أو طوباويون، لأنهم ببساطة لا يقبلون أن يسكنوا في القفص.
لكن الحقيقة أن هؤلاء الحالمين بالعقل النقدي هم من يحركون التاريخ. فهم الذين فتحوا أبواب الفلسفة، وهم الذين حرروا العلوم من أسر الخرافة، وهم الذين جعلوا الإنسان ينظر إلى السماء لا ليخافها، بل ليفهمها.
العقل النقدي ليس ترفًا ولا نزوة. إنه حاجة إنسانية عميقة، لأنه السبيل الوحيد للخروج من دائرة الجمود. هو الشجاعة التي تفتح النوافذ في جدار السجن، والنور الذي يجعلنا نرى أن الأفق أوسع من دائرة الموروث.
وبقدر ما يخيف، بقدر ما يمنح الأمل. لأنه يذكّرنا أن الإنسان لم يُخلق ليكرر فقط، بل ليبدع. لم يُخلق ليقلد، بل ليصوغ الجديد. لم يُخلق ليسكن في الماضي، بل ليحوّل الماضي جسرًا نحو المستقبل.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج