الشريعة في الدين

عَبدِ الكَرِيمِ أَحمَد الزيدي

الحديث عن الشريعة في الدين ومعناها انها المصدر الالهي والرباني للاحكام وهي معصومة ، مستقلة ، شاملة ولها قدسيتها في احكام ميسرة وصحيحة في التطبيق تناسب جميع الامم في مختلف الازمنة والامكنة ، وقد اقتضت حكمة الله جل شأنه حين استخلف آدم في هذا الكون وعهد إليه عهداً في قوله تعالى “ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ” (طه: 115) أن يعزز هذا العهد بالنبوة ، فالنبوة هي تذكير لآدم عليه السلام بمهمته في هذه الأرض ، والمُعلِّمة له كيف يعمرها وكيف يحقق معاني الخلافة ومهامها ، والنبوة قضية غيبية من الصعب أن نُخضعها لمقاييس المنطق الإنساني والعقل الإنساني ، وإن كانت مفهومة في إطار الرؤية الإسلامية خاصة والرؤية الدينية بشكل عام ، فالنبي هو إنسان أوحي إليه بشرعٍ ولم يؤمر بتبليغه ، وإنما أوحي إليه بما يمكن أن يجعله نموذجاً لغيره من الناس في أقواله وأفعاله وتفاصيل حياته المختلفة ، حتى إذا أُمر النبي بتبليغ ما أوحي به إليه صار رسولا .

والشريعة لها مصادرها التي تعني ما اوحى الخالق سبحانه وتعالى الى خلقه ، فيها من الاحكام والطرائق والمشارب والضوابط والقوانين التي يريد بها الله سبحانه وتعالى من عباده الطاعة فيها واتخاذها منهجا في دنياهم وبما يراه خيرا لهم وهداية من لدنه ، وعلى اجماع اهل العلم فأن مصدر الشريعة في الاسلام هي :
– القران الكريم وهو الدستور والمنهج الكامل للحياة محفوظ بامر الله من التبديل والتحريف .
– السنة النبوية وهي الاصل الثاني من التشريع وتعني كل ما صدر من النبي صل الله عليه وسلم من قول او فعل وتبيان ، وهي بيان وتوضيح وتكملة لما يرد في القران الكريم .
– اجماع الصحابة وهو اتفاق علماء الامة الثقات لمسألة ما ترد في حياة الناس على ان يكون هذا الاجماع مبني على القران والسنة النبوية وان لا يخالفه ايا من اهل العلم .
– القياس وهو ان يرجع في تحديد حكم ما في مسألة معينة الى مسألة اخرى تتوافق في نفس الحكم .

ولعلي اردت من هذه المقدمة عن الشريعة الدينية ومصادرها ان انتهي الى ما يهمنا من معنى تشريع السنة النبوية التي هي الينبوع الحي من التشريع وتعني المنهج او الطريقة وكل ما جاء به النبي صل الله عليه وسلم من قول او فعل او وصف او تقرير ، وقد حفظ الصحابة رضوان الله عليهم ما جاء على لسان النبي صل الله عليه وسلم وحرصوا على تلاوته وذكره بنفس لفظه ولسانه عليه الصلاة والسلام ونقله وروايته الى التابعين ومن بعدهم الى من اجتهد في تدوين الحديث وكتابته من الائمة الثقات حتى وصلنا كما هو عليه الان .

والحديث يطلق عليه عدة اصطلاحات ، فمنها السنّة ، والخبر ، والأثر ، فالحديث من حيث اللغة هو الجديد من الأشياء ، والحديث : الخبر ، يأتي على القليل والكثير ، والجمع أحاديث فالحديث هو الكلام الذي يتحدث به ، أما اصطلاحا فإن الحديث هو ما ينسب إلى رسول الله من قول أو فعل أو تقرير أو وصف ، والخبر والأثر لفظان آخران يستعملان بمعنى الحديث تماما ، ولكن الحديث النبوي جاء بمنهجين على لسان النبي صل الله عليه وسلم وهما حديثه بما يوحى اليه وسمي الحديث النبوي ، وحديثه على ما جاء على لسانه بوحي من قول الله فسمي بالحديث القدسي والحديث القدسي ، هو مصطلح يشير إلى كلام ورد على لسان النبي صل الله عليه وسلم لكن معناه من الله ، ويأتي حسب رأي العلماء إما بإلهام أو رؤية منامية وهي صادقة عند الأنبياء أو قذف في الروح ، وهو يختلف عن القرآن الذي نزل بلفظه ومعناه عن طريق الوحي ، والأحاديث القدسية لا تتناولُ أحكام تكليفيّة ، ولا تتناول إجابة على أسئلة ، ولا علاج قضايا قد تقع على المسلمين ، وإنّما تتناول فقط توجيهاتٍ من الله سبحانه وتعالى لعباده في أُمور الاعتقادِ به تعالى ، وكمالِ قُدرته ورحمته ، إضافة إلى تناول موضوعات بسلامة السُّلوك ، وصحّة العمل حسب تلك العقيدة الصحيحة ، اما الأحاديث النبوية فتكون أشمل من مواضيع الأحاديث القدسية ، لأنها تتناولُ التّفصيل والتّوضيح فيما جاء عن رسول الله عليه الصّلاةُ والسّلام ، وفيما رُويَ عنه من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير او غير ذلك .

وقد اعتنى المُسلمون عناية شديدة بالسنة النبويّة فهي المُبيّنة للقُرآن ، فحَفِظَ الصحابة الكِرام أحاديثَ النبيّ عليه الصلاةُ والسلام وبلّغوها كما سَمِعوها ، واجْتهدَ عُلماء الحديثِ بعدَهم بالاهتمام بالحديثِ وبيانِ الصّحيح من الضّعيف ، والأحاديثُ نوعان هما : النّبويّ والقُدسيّ ، والحديث النبوي كما اشير له من امر النبي عليه الصلاة والسلام وما ورد من قول او فعل او صفة خلقية او اخلاقية او سيرة فيما يكون الحديث القُدُسيّ هو الحديثُ الذي يكون مَعناه من اللهِ تعالى عن طريق الوحيِ ، ولفظُه من النبيّ عليه الصلاةُ والسّلام وتكون روايتُه بالإضافة إلى الله تعالى ، ويختلف الحديث القدسي عن القرآن الذي نزل بلفظه ومعناه عن طريق الوحي ويحتل مرتبة ومنزلة بين القرآن والحديث النبوي ، بمعنى انه اقل رتبة من القرآن واعلى من الحديث النبوي ولكن لا يُتعبد به في الصلاة ، ومن خصائص الحديث القدسي أن لفظه لا يتناول التحدي والإعجاز مثل القرآن الذي تحدى الثقلين (الأنس والجن ) على أن يأتوا بآية من مثله كما ورد في القرآن الكريم ، كما لا يستوفي الإعجاز البياني للقرآن ، الذي أعجز بيانه وأبكم ألسن العرب الذين لهم مفخرة وملكة وسلاسة في التعبير واللفظ ومن مثاله ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قَالَ : ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ” ، ومن أبرز الاختلافات التي تظهر الحديث القدسي عن القرآن الكريم أن القرآن منقول بالتواتر وقطعي الثبوت أي أنه لا يأتيه باطل أو تحريف ، عكس الحديث القدسي الذي يعتبر خبره آحادا وثبوته ظني وقد يتعرض للتحريف أو الوضع كغيره من الأحاديث الأخرى كما أنه لا يتعبد به في صلاة كالذكر المبين ، ووصف القدسي يعني المنزه، أي الذي ليس فيه عيب أو نقص فالحديث القدسي هو الحديث المنزه والخالي من العيوب والنواقص .

ويُنسب الحديث القُدسيّ إلى القُدس ، وهو : الطّهارة ، وتقديس الله تعالى أي تنزيهُهُ ، ولذلك سُمّيَ الله تعالى بِالقُدّوس ، ومنه بيت المقدس ، أي : المكان الذي يُتطهر فيه من الذُّنوب ، وسُمّيَ جبريل عليه السلام بروح القُدس ، لأنّه مخلوقٌ من طهارة ، وأمّا في اصطلاح المُحدّثين فهو لا يخرُج عن المعاني اللّغويّة ، كما أنّ الأحاديث القُدسيّة تُسمّى بالأحاديث الإلهيّة أو الرّبانيّة نسبةً إلى الذات الإلهيّة والرّب ، وعرّفه ابن حجر الهيثميّ فقال : هو الحديث الذي يُنقل آحاداً عن النّبيّ محمد عليه الصلاةُ والسلام مع إسناده إلى الله تعالى وعرّفه آخرون بأنّه الحديث الذي يُسنِده النبيّ محمد عليه الصلاةُ والسلام إلى الله ، وقيل : هو الحديث المُضاف إلى النبيّ محمد عليه الصلاةُ والسلام مع إسناده إلى الله تعالى، وقيل : هو الحديث الذي يُضاف إلى الله تعالى بالقول والمعنى ، ويرويه النبيّ محمد عليه الصلاةُ والسلام عن ربه ، فيكون الحديث في بدايته : قال الرسول فيما يرويه عن ربه ، أو قال الله تعالى فيما يرويه عنه رسول الله ، والفرق بين الحديث القدسي والقرآن الكريم توجد العديد من الفُروقات بين الحديث القُدسيّ والقُرآن الكريم ، وهي : الحديث القُدسيّ لم يتحدّى الله تعالى بتلاوته ، بخلاف القُرآن الذي وقع به تحدّي الناس أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة ، وهذا التحدّي قائمٌ إلى قيام الساعة ، والحديث القُدسيّ يُنسب إلى الله تعالى نسبة إنشاء ، فيُقال : قال الله أو يقول الله تعالى ، وقد يُروى مُضافاً إلى النبيّ عليه الصلاةُ والسلام فتكون نسبةُ إخبار ؛ لأنّه هو المُخبر به عن ربه ، بخلاف القُرآن الكريم الذي لا يُنسب إلّا إلى الله تعالى والأحاديث القُدسيّة أكثرها أخبار آحاد ، وقد تكون صحيحة أو ضعيفة أو حسنة ، وهي ظنيّة الثبوت ، أمّا القُرآن فكُلّه منقول عن طريق التواتر، وكُلّه قطعيّ الثُبوت ، والحديث القُدسيّ يكون اللّفظ فيه من النبيّ عليه الصلاةُ والسلام والمعنى من الله تعالى على القول الصحيح ، سواءً عن طريق الإلهام أو المنام ، ولذلك تجوز روايته بالمعنى ، بخلاف القُرآن الذي يكون لفظه ومعناه من الله تعالى بوحيٍ واضح والحديث القُدسيّ لا تجوز الصلاةُ به ، وثواب قراءته ثواب عام ، وليس كقراءة القرآن من كون قراءة الحرف فيه بعشرة حسنات ، والقرآن مُتعبّد بتلاوته ، وتتعيّن قراءته في الصلاة ، ويُثاب المُسلم على قراءته سواءً في الصلاة أو في غيرها والحديث القُدسيّ يجوز للمُحدِث مسّه ، كما تجوز قراءته من الجُنب ، بخلاف القُرآن الذي يحرُم مسّه للمُحدث وتلاوته من الجُنب .

ولولا خشيتنا من الاسهاب في هذا المقال لاخذنا مجموعة من احاديث النبي صل الله عليه وسلم على سبيل المثال وهو تفصيل لما جاءَ به القران وبيان لما سكت عنه ودلالة المعنى والاشارة كما جاء في سورة النجم : ” وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ” فالحديث النبوي هو بمثابة القرآن في التشريع من حيث كونه وحياً أوحاه الله للنبي ،
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .

………………………………………………………………

عَبدِ الكَرِيمِ أَحمَد الزيدي
العراق / بَغداد

شاهد أيضاً

يحشر المرء مع من أحب

يحشر المرء مع من أحب بقلم/هاني محمد علي عبد اللطيف عن أنس بن مالك قال …