السودان على حافة الحسم… معارك التحرير تنطلق ونداء التعبئة العامة يغيّر قواعد اللعبة
بقلم: أيمن بحر
تشهد الساحة السودانية واحدة من أخطر لحظاتها منذ اندلاع الصراع، بعد أن أعلن الجيش السوداني فتح أكبر نداء للتعبئة العامة في تاريخ البلاد، في خطوة تعكس دخول المواجهة مرحلة جديدة هدفها استعادة الدولة وإنهاء وجود الميليشيات المسلحة التي سيطرت على مساحات واسعة من البلاد خلال الشهور الماضية.
النداء الذي وجهه الفريق أول عبد الفتاح البرهان جاء واضحًا وصريحًا: كل القادرين على حمل السلاح مطالبون بالالتحاق الفوري بصفوف الجيش، استعدادًا لمعركة كبرى توصف اليوم بأنها معركة “تحرير السودان”.
وفي الساعات التالية لهذا الإعلان، شهدت خطوط القتال تطورات ميدانية لافتة؛ إذ تمكن الجيش من تحقيق سلسلة انتصارات استراتيجية في ولاية شمال كردفان، بدأت باستعادة منطقة كازقيل جنوب مدينة الأبيض، وهي نقطة محورية كانت تستخدمها ميليشيا الدعم السريع كممر رئيسي لإمداداتها بين شمال وجنوب الولاية.
استعادة هذه المنطقة مثّلت تحولًا حقيقيًا في شكل المعركة، بعدما تمكن الجيش من قطع خطوط الإمداد عن الميليشيا، وتضييق الخناق عليها، وتقسيم مناطق نفوذها إلى نصفين.
ولم يتوقف التقدم عند هذا الحد، إذ نجحت القوات السودانية في السيطرة على منطقة “أم دم حاج أحمد”، إلى جانب أربع مناطق أخرى حول مدينة الأبيض. هذه المكاسب العسكرية المتتالية أعطت دفعة معنوية كبيرة للقوات والشعب، واعتُبرت بداية عملية واسعة تهدف لتأمين الطرق الحيوية وإعادة رسم خطوط السيطرة في كردفان.
لكن في المقابل، تتحرك ميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” نحو تصعيد خطير، إذ يستعد – وفق مصادر ميدانية – لقيادة هجوم ضخم بنفسه يستهدف مدينة بابنوسة في غرب كردفان، حيث يقع مقر الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش السوداني.
أهمية بابنوسة لا تكمن فقط في موقعها الجغرافي، بل في كونها عقدة مواصلات استراتيجية تربط بين غرب كردفان ودارفور وجنوب السودان، وخسارتها ستكون ضربة قاسية للجيش، وقد تمهّد – وفق مراقبين – لمخاطر تتعلق بإعادة رسم حدود السيطرة تمهيدًا لمشروع التقسيم.
المعارك هناك اشتدت على مدار الأيام الماضية، وسط استخدام مكثف للطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، وتسجيل خسائر بشرية ومادية كبيرة، بالإضافة إلى موجة نزوح واسعة تجاوزت 180 ألف مدني فرّوا من جحيم القتال. وتحدثت تقارير عن اعتقال عدد من الأسر أثناء محاولتهم الخروج من المدينة، مع انتشار القناصة في محيط الأحياء السكنية ومنع المدنيين من المغادرة، وهو سيناريو يعيد للأذهان ما حدث في الفاشر مؤخرًا.
وبحسب المصادر الميدانية، ما تزال قوات الجيش صامدة داخل المدينة وتصدّ الهجمات رغم الحصار الشديد، لكن الوضع الإنساني يزداد خطورة مع انقطاع الخدمات الأساسية وتحول معظم المناطق إلى ما يشبه “مدينة أشباح”.
توازن القوى في غرب كردفان اليوم مرتبط بقدرة الجيش على إيصال الإمدادات إلى بابنوسة، وبمدى نجاحه في تثبيت المكتسبات العسكرية الأخيرة. أما تحركات حميدتي، التي تشير إلى استعداده لقيادة الهجوم بنفسه، فتكشف حجم الرهان الذي يضعه على هذه المعركة باعتبارها “معركة وجود” بالنسبة لقواته.
الساعات القادمة تبدو حاسمة، والمنطقة كلها تترقب ما ستسفر عنه التطورات على الأرض، في وقت يتزايد فيه القلق من امتداد الصراع إلى نطاقات أوسع تهدد استقرار الإقليم بالكامل.
ويبقى الدعاء لأهل السودان في هذه اللحظة الحرجة، بأن يحفظهم الله، ويحقن دماءهم، ويعيد لبلادهم الأمن والاستقرار.
جريدة الوطن الاكبر الوطن الاكبر ::: نبض واحد من المحيط الى الخليج .. اخبارية — سياسية – اقتصادية – ثقافية – شاملة… نبض واحد من المحيط الى الخليج