إلى أولئك الذين يرتّبون قناعاتهم الشخصية على هيئة مرايا معطوبة… ويظنون أنهم يعكسون بها وجع السوريين

بقلم: روعة محسن الدندن

أما وقد طفحت كؤوس الدم، وبات لكلّ رصاصة نَفَسٌ، ولكلّ صرخة ذاكرة، فلا بدّ من وقفة. لا لتفنيد قناعاتكم فحسب، بل لردم الهوة الفادحة بين ما تقولونه وما يعرفه السوري في تفاصيل الخراب.

أولًا، من الجميل أن تتحدثوا عن الشعور بوحدة الدم السوري، ولكن أن تضعوا ضحايا الغوطة والحولة والبيضاء والساعة في سلّة واحدة مع “ضحايا الساحل”، فهنا مربط الفجيعة.

هل نسيتم – أم تتناسون – أن المجازر في الغوطة والحولة وسواها ارتُكبت بحق أناس طالبوا بحريتهم بصدور عارية؟

هل غاب عن قناعتكم أن تقرير لجنة التحقيق الدولية – الصادر بتاريخ 21 تموز 2025 – أكد أن ما جرى في الساحل لم يكن عدوانًا من المعارضة على الأبرياء، بل صراع دموي بدأه فلول من داخل النظام نفسه، حين غدرت عناصره بعناصر الأمن، وتمردت على القيادة المركزية، محاولة إشعال انقلاب داخلي فجّر المأساة، وكان الضحية فيه هم المدنيون؟

لقد بقيت القرى الساحلية بمنأى عن أي اعتداء طيلة ثلاثة أشهر، رغم احتدام المواجهات في بقية المحافظات، ولولا هذا الغدر الداخلي، لما سال الدم هناك، ولا استيقظ الفزع في جنبات الجبال.

لا تُقارن ضحية جلادها بالجلاد الذي أدار بندقيته إلى رأسه ثم صرخ: “أنقذوني!”

ثانيًا، دعونا نُنهي نفاق التساؤل عن “ما دخل الهجري؟” فالأرشيف الرقمي لا يرحم. والحقائق واضحة كالشمس في تموز: بيانات الهجري لم تترك مناسبة إلا ودعت فيها إلى رفض شرعية الدولة ومؤسساتها، وطالبت بتدخل دولي، بل وصل الأمر إلى تشكيل مجلس عسكري مناوئ للدولة السورية.

من الذي مزّق علم سوريا ورفع علم إسرائيل؟

من الذي زجّ بالدروز في مواجهة دموية مع أهلهم البدو؟

من الذي هجّر المسيحيين من قراهم في صمت؟

لا تتحدثوا عن أبرياء وأنتم تعلمون أن من حرّض وأرسل وموّل ونسّق هو الهجري وأتباعه، لا غير.

ثالثًا، أما عن البدو، فلكم أن تعودوا إلى تقارير متقاطعة، ترصد ما تعرضوا له من تهجير قسري، من قتل ممنهج، من نزع للهوية ومحو للذاكرة.

هل تعلمون أن مئات العائلات البدوية فرت من قراها بفعل نيران ميليشيا الهجري؟

وأن أطفالًا ناموا في العراء بعد أن تحولت بيوتهم إلى رماد؟

هل سألتم أنفسكم من هجّرهم؟

وهل يختلف هذا التهجير عن ذاك الذي ندبتم له في مقالاتكم؟

أم أن دم البدو لا يدخل ضمن “الشعور السوري” الذي تحدثتم عنه؟

رابعًا، تقولون إننا مهزومون… صدّقونا، الهزيمة ليست في الانهيار العسكري، بل في انهيار الوعي، حين يتماهى القاتل في صورة الضحية، ويُعاد رسم المشهد بألوان من صمموا ألا يروا.

أنتم لا تدافعون عن السوري العادي، بل عن خطاب مفصّل على مقاس مشروع لا يمتّ لسوريا بصلة، مشروع يُجهز سكينًا في يد ويمد الأخرى للغرباء، يطلب الحماية من تل أبيب، ويستبدل الهوية بالخوف، والانتماء بالارتزاق.

نعم، نحن السوريين العاديين، الذين ما زالوا يزرعون أحزانهم في الأرض ولا يطلبون حماة غرباء، نرفض أن نتساوى مع من خان، ومع من مزّق نسيج الوطن باسم “الكرامة”.

لا أحد فوق السؤال، ولا أحد ينجو من المحاسبة بالدم.

فلتعيدوا ترتيب قناعاتكم، ولتبدؤوا من جديد، لكن من مرآة نظيفة، مرآة تقول الحقيقة كما هي:

الوطن ليس فندقًا، ولا الحقيقة ستارًا من دخان.

شاهد أيضاً

لبنان على مفترق طرق: هل تسقط صيغة الطائف وتندلع نيران الحرب الأهلية؟

  يوسف حسن، يكتب- تشهد الساحة اللبنانية تطورًا خطيرًا يُهدّد بنية الدولة الهشة، ويُعيد إلى …